فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 293

الثَّاني: قولُ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه: (يا رسولَ اللهِ، دَعني أضربُ عُنقَ هذا المُنافقِ) ، وفي ِروايةٍ (دَعني أضربُ عُنقَه فإنَّه قدْ نَافق) ، وفي ِروايةٍ قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ فدعني فلأضْرِبْ عُنُقَه ... ) ، ثُمَّ قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ والمُؤمنينَ فدعني فلأضْربْ عُنُقَه) ، وفي ِروايةٍ أنَّ عمر بن الخطَّاب قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، فدعني فأضربُ عُنُقه) ، وفي ِروايةٍ قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فأضربُ عُنقه ... ) ، ثُمَّ عادَ عمر فقالَ: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فلأضربْ عُنُقه) ، فقدْ كانَ المُقرَّر عندَ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّارِ على المُسلمينَ ومُعاونتَهم والتَّجسُسَ لهم نفاقٌ وكُفرٌ وِردَّةٌ عن دينِ الإسلامِ وخيانةٌ للهِ ولرسولِه وللمُؤمنينَ وذلكَ ظاهرٌ مِن قولِ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فليسَ فيهِ خَفاء.

الثَّالث: عدمُ إنكارِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عمر قولُه هذا، وإنِّما ذَكرَ له صِدقَ مَا اعتذرَ بهِ حاطب، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (لقدْ صدَقَكم) ، وفي ِروايةٍ قالَ: (صَدَقَ لا تَقُولوا له إلاَّ خيرًا) ، وفي ِروايةٍ قالَ: (إنَّه قد صَدقَكم) ، وفي ِروايةٍ: (فصدَّقَه النبَََّي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) .

الرابع: أنَّ حقيقة فعل حاطب معصية وكبيرة من الكبائر وإن كان ظاهره كفرًا إلا أن النبي صلي الله عليه وسلم علم سريرته بالوحي ولذلك صدقه في قوله: (ومَا فعلتُ ذلكَ كُفرًا ولا ارتِدَادًا عن ديني) ، وعلَّلَ ذلكَ أيضًا بأنَّه مَا فَعلَ فعْلَته تلكَ إلاَّ لِيتَّخذَ عندَ قريشٍ يَدًا يَحمُون بها قُرابتِه، ومع أنَّ ذلكَ ليسَ بعذرٍ لحاطبٍ ولا لغيره، إلاَّ أنَّ حاطبًا لمَّا كانَ مُتأوِّلًا انتَفى عنه الكُفر، ولذلكَ قالَ الحافظُ ابن حجر: (وعُذرُ حاطبَ مَا ذَكَره، فإنَّه صَنعَ ذلكَ مُتأوِّلًا أنْ لا َضَرَرَ فيهِ) [فتح الباري: 8: ص 634] .

قال أبو محمد المقدسي: (وإنما الذي قاله الرسول عليه الصلاة و السلام؛ أنه استثنى حاطبًا من أن يكون قد كفر في هذه الحادثة .. باطلاعه من طريق الوحي على سريرته وأنه لم يفعله نصرة للمشركين ومظاهرة لهم على الموحدين، وذلك بعد مقالة حاطب(ما فعلته كفرًا ولا ارتدادًا) فقال صلى الله عليه وسلم: (قد صدقكم .. ) وقال: (وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم وزكاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردةً أوكفرًا أي لم يكن فعله نصرة ومظاهرة للمشركين على المسلمين، بل كان إفشاؤه لسر رسول الله مع تأوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منصور مؤيد لا محالة من الله؛ كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت مع كونه بدريًا .. ) [الشهاب الثاقب ص 12، 13] .

الخامس: قالَ ابن حجر: (وعندَ الطَّبريُ مِن طَريقِ الحارثِ عن عليٍّ في هذهِ القِصَّةِ فقالَ: أليسَ قدْ شَهدَ بدرًا؟ قالَ: بَلَى، ولكنَّه نَكث وظََاهرَ أعدائكَ عليكَ) [فتح الباري: 8: ص 634] ، فهذا يَدُلُّ على أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّارِ ومُناصرتَهم ومُعاونتَهم على المُسلمينَ نَكثٌ للعهدِ وِردَّةٌ ظَاهرةٌ وكُفرٌ صُراح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت