الصفحة 6 من 36

وهي قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [15] ، فلقد أورد الإمام البخاري في صحيحه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أتتني أمي راغبةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصِلها؟ قال: نعم" قال ابن عيينة - وهو شيخ شيخ البخاري في سند هذا الحديث - فأنزل الله تعالى فيها:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [16] ، [17] قلت: وهذا التصريح بسببية النزول غير مرفوع ولا موقوف، ولكن يشهد لصحته أن أسماء رضي الله عنها ذكرت هذه القصة في فترة العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش - وهذا معنى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الحديث - كما جاء صريحًا في رواية مسلم قالت: "قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:"يا رسول الله قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال نعم صلي أمك" [18] ، فهذه الرواية وإن لم تذكر سببية هذه القصة في نزول الآية إلا أنها صريحة في ذكر زمان القصة وهو الزمان الذي تعلقت به الأحداث والمناسبات التي نزلت السورة بسببها، كما تفيد هذه الرواية في التصريح بكون أم أسماء مشركة، والحقيقة إن الإمام القرطبي قد ذكر في تفسيره هذا الخبر جازمًا عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قُتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطًا وأشياء فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [19] ، فالراجح والله أعلم أن هذا سبب نزول صحيح، وإن تحرير هذه المسألة مهم كما سيتبين معنا لاحقًا إن شاء الله.

ثالثًا: سبب نزول الآية العاشرة:

وهي قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن" [20] ، وقد تقدم معنا أن من بنود صلح الحديبية الاتفاق على أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه فإن على النبي صلى الله عليه وسلم رده إلى قريش، وكان هذا عامًا في الرجال والنساء على حدٍ سواء، فعن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذٍ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ - وهي عاتق - فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن:"إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن"إلى قوله:"ولا هم يحلون لهن" [21] ، [22] وفي رواية أخرى مطولة من حديث عروة أيضًا وفيه: "ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن"حتى بلغ " بِعِصَم الكوافر"فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك .." [23] ، قلت: تأمل الفاء التي تفيد التعقيب والفورية وهكذا كان وقع كلام الله عز وجل في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمرون فينفذون بلا تردد ولا تلكؤ فرضي الله عنهم أجمعين.

وعن عروة قال: أخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن"إلى"غفور رحيم"، قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد بايعتك"كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يدَ امرأةٍ قط في المبايعة وما بايعهن إلا بقوله" [24] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت