وموته وحياته وسعادته بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار) [1] .
ويؤكد العلاّمة عبد الرحمن السعدي هذه القاعدة قائلًا: (لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل) [2] .
ومن أجل مسائل هذا الموضوع: العبودية الباطنة والقيام بعبودية القلب؛ فإن أعمال القلب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت [3] .
وقد غفل الكثير من المسلمين عن فقه هذه العبادات وتحقيقها، وكان لاشتغالهم بالرسوم والمظاهر، وتأثرهم بالنزعة الإرجائية الكلامية أبلغ الأثر في إهمال أعمال القلوب وعبوديتها، فما أكثر من استُعبد قلبه لغير الله - تعالى - من الشهوات والملذات، فطائفة أشربت حبّ المال، وطائفة صار همها وشغلها المنصب والوظيفة والرياسة، وطائفة ثالثة تعلقت قلوبها بالنساء، وطائفة أخرى صار مقصودها سفاسف الأمور من مطعوم أو ملبوس أو مركوب، أو (كرة) أو عبث ولهو، أو (فن) .
فعبد المال قد صار الدرهم والدينار هجيّراه؛ فهمّه ومقصوده المال، فلا يصبح ولا يمسي إلا وهمه المال، فمن أجله يوالي ويعادي، فإن أعطي رضي، وإن منع سخط.
لقد تحدث علماء السلف - رحمهم الله - عن عبودية القلب، فكان حديثًا عن علم وبصيرة وذوق وتحقيق.
ومن ذلك ما سطّره يراع شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقًا مستعبدًا، متيمًا لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب .. فمن استُعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس.
(1) مدارج السالكين، 1/ 165، وانظر الفوائد، ص 27.
(2) تفسير السعدي، 1/ 18.
(3) انظر بدائع الفوائد لابن القيم، 3/ 230.