إذا تذكر َهذه المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقنَ بتحققها فلا شكَّ أن ذلك سيمنعُه من التهاونِ في حقوق الخلق، والحذرِ من ظلمهم في دمِ أومال أوعرض، خاصةًّ وأن حقوقَ العباد مبنيةٌ على المشاحَّة والحرصِ على استيفاء الحقِّ من الخصم، وبالذاتِ في يوم الهولِ الأعظمِ الذي يتمنَّى العبد فيه أن يكون له مظلمةٌ عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلًا عن غيرهم من الأباعد، ومعلومٌ أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم، ولكن بالحسنات والسيئات.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:"قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ" (أخرجه البخاري) [1] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ » قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (أخرجه مسلم) [2] .
(1) - صحيح البخاري (3/ 130) (2449)
[ش (له مظلمة) أي قد ظلم أحدا بقول أو فعل. (عرضه) جانبه الذي يصونه ويحامي عنه من نفسه وحسبه. (فليتحلله) يطلب منه العفو والمسامحة أو يؤدي إليه مظلمته. (فحمل عليه) ألقي على الظالم عقوبات سيئات المظلوم]
(2) - صحيح مسلم (4/ 1997) 59 - (2581)
[ش (إن المفلس من أمتي) معناه أن هذا حقيقة المفلس أما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلسا وليس هو حقيقة المفلس لأن هذا الأمر يزول وينقطع بموته وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم الإعدام المقطع فتؤخذ حسناته لغرمائه فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه ثم ألقي في النار فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه]