وهذه الثمرةُ يتولد عنها بدورها ثمارٌ أخرى مباركةٌ طيبةٌ منها: القناعةُ، وسلامةُ القلب من الحرص والحسد والغلِّ والشحناء؛ لأن الذي يعيشُ بتفكيره في الآخرة وأنبائِها العظيمة لا تهمُّه الدنيا الضيقةُ المحدودةُ، مع ملاحظة أن إيمانَ المسلم ِباليوم الآخر وزهدَه في الدنيا لا يعني انقطاعَه عنها وعدم ابتغاءِ الرزق في أكنافِها؛ يقول (تعالى) : {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (77) سورة القصص
كما يتولدُ أيضا من هذا الشعور، الراحةُ النفسيةُ والسعادةُ القلبية ُ، وقوة ُالاحتمال والصبرُ على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله (عز وجل) من الأجرِ والثواب، وأنه مهما جاء من شدائدَ الدنيا فهي منقطعةٌ ولها أجلٌ، فهوينتظرُ الفرجَ ويرجوالثواب الذي لا ينقطعُ يوم الرجوعِ إلى الله (عز وجل) ، قال (تعالى) : {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104) سورة النساء.
وما إن ْيفقدُ القلبُ هذه المعاني حتى يخيمَ عليه الهمُّ والتعاسةُ، ومن هنا ينشأُ القلقُ والانزعاج ُوالضيقُ والحزنُ، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتِها، وامتلأ قلبهُ بهمِّ الآخرة وأنبائها، فإن نفسَه لا تذهبُ على الدنيا حسراتٍ، ولا تنقطعُ نفسه لهثًا في طلبها، ولا يأكلُ قلبَه الغلُّ والحسدُ والتنافسُ فيها، ولا يقلُّ صبرُه ولا يجزعُ قلبهُ عند المحنِ والشدائد، ومهما حُرِم في هذه الدنيا الفانية ِ، فهويعلمُ أنَّ للهِ (عز وجل) في ذلك الحكمةَ البالغةَ، وهويرجوالأجرَ يوم القيامة، قال (تعالى) : {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } [الزخرف/33 - 35] .
3 -التزودُ بالأعمال الصالحة وأنواع القربات ِ، واجتنابُ المعاصي والمبادرةُ بالتوبة والاستغفار:
فهو راجٍ خائفٌ، والسائرُ على الطريق إذا خافَ أسرع السير مخافة الفواتِ.