وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق. لا يعذب الجسد ليسموبالروح، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد.
ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أوالدولة. ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة، أوتسخرها لإمتاع فرد أوأفراد.
وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته، ولمصلحته وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف، وتجعلها محببة لديه - مهما لقي من أجلها الآلام أحيانا - لأنها تلبي رغيبة من رغائبه، أوتصرف طاقة من طاقاته.
ولقد كانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة. ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ. فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولوتحت عناوين أخرى. [1]
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية. لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد .. وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك. والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد .. ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفوخطى الإسلام، فتتعثر في الطريق، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل. ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج -
(1) - ورد في الأصل عنوانات، قلت: الصواب عناوين، وليس عنوانات، ففي معجم الغني- عبد الغني أبو العزم [ص 18601] عُنْوَانٌ -ج: عَنَاوِينُ. [ع ن ن] . 1."سُجِّلَ عُنْوَانُ الْكِتَابِ": أَي اِسْمُهُ وَسِمَتُهُ. 2."أَخَذَ مِنْهُ عُنْوَانَ سُكْنَاهُ": اِسْمُ الشَّارِعِ وَرَقْمُ الْبَيْتِ."كَتَبَ العُنْوَانَ عَلَى ظَهْرِ الرِّسَالَةِ". 3."الظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ": دَلِيلُهُ، سِمَتُهُ."مَا قَدَّمَهُ يُعْتَبَرُ عُنْوَانًا عَلَى كَرَمِهِ".