الصفحة 10 من 72

/ قال تعالى:"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ"، بعدما أعلن إبراهيم براءته من شرك قومه، وما ذهب إليه من إخلاص عبوديته لله تعالى، حاولوا صدّه عن سبيل الله تعالى، بكلّ وسيلة متاحة لهم، وهكذا شأن كلّ مُعرض عن تحقيق التوحيد وعلى رأسهم في هذا العصر الأنظمة المستبدّة، فهم يخافون من دعوة إلى التوحيد الخالص، وإلى محض السنّة، ولهذا يُحاولون كما فضحهم الله تعالى:"ودّوا لو تدهن فيدهنون"سورة القلم وهي مكيّة الآية 9. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه الماتع"ملّة إبراهيم (ص: 66) : فهم يتمنّون أن يسلك الدّعاة غيره من السبل المعوجّة وينحرفوا عن دعوة الأنبياء الصلبة المستقيمة .. ولا يزالون يخطّطون لأجل حرف الدعاة عن هذا الصراط المستقيم .. إلى سبل فيها سكوت عن كثير من باطلهم، تُرضي خواطرهم .. أو تلتقي معهم في بعض أمورهم .. هكذا .. حتى تموت الدعوة وتتميع قضيتها وينحرف دعاتها عن خطها الواضح البيّن المستقيم فالطّغاة يعلمون أن أول التقهقر خطوة إلى الوراء .. ثم تعقب هذه الخطوة، خطوات وخطوات .. ينسى معها الدعاة منهج الدعوة الأصيل .. ويحصل يقينًا من هذا الانحراف .. التقاء مع أهل الباطل في كثير من باطلهم أو بعضه .. وذلك غاية ما يتمنونه ابتداء .. لذلك فإنهم إن يروا من هؤلاء الدعاة تنازلًا أو تقهقرًا .. أظهروا لهم الرضى عنهم وعن دعواتهم، وقربوهم وأثنوا على جهودهم وأظهروا لهم الود والحب .. قال تعالى:"وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلا" [الإسراء: 73] ."

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية بعد أن ذكر محاولات المشركين لمساومة الرسول صلى الله عليه وسلم على كثير من أمور دينه ودعوته ومن ذلك: ترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم إلى غير ذلك .. يقول:"هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائمًا، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلًا عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثير. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينًا. فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو بضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة .. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان لكسب أصحاب السلطان إلى صفها، هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصر الدعوة. والله وحده"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت