هذه الأقوال الكاذبة (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) أي: فلا يَجدونَ طريقًا يَرجعونَ به إلى الحق الذي تَرَكوه، أو يَتمكنوا به مِن صَرْف الناس عن دَعْوَتك (والذي أَوْقعهم في ذلك كِبْرهم وعِنادهم) .
-من الآية 10 إلى الآية 14: (تَبَارَكَ) اللهُ العظيم (الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ) - أيها الرسول - (خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) الذي يَطلبونه منك، إذ لو شاء سبحانه لَجَعَلَ لك في الدنيا (جَنَّاتٍ) أي حدائق كثيرة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) عظيمة، ولكنه سبحانه لم يَشأ ذلك في الدنيا، لأنها دارُ عمل، وليست دارُ جزاء وراحة ونعيم، والخير فيما يشاؤه سبحانه.
? وما كَذَّبوك لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق (بَلْ كَذَّبُوا) - عِنادًا - (بِالسَّاعَةِ) التي تقوم فيها القيامة، (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) أي نارًا حارة تُوقَد عليهم وتَغلي بهم، و (إِذَا رَأَتْهُمْ) هذه النار يوم القيامة (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) : (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) أي سمعوا صوت غليانها وغَيظها منهم، (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا) : يعني إذا أُلقوا في مكانٍ شديد الضِيق من جهنم، (مُقَرَّنِينَ) يعني: وقد قُيِّدَت أيديهم بالسلاسل إلى أعناقهم: (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) : أي دَعَوْا على أنفسهم بالهلاك للخَلاص من ذلك العذاب، فحينئذٍ يُقالُ لهم تيئيسًا وتحسيرًا: (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) أي لا تَدْعوا اليوم بالهلاك مرة واحدة، بل ادعوا مراتٍ كثيرة، فإنه لا خَلاصَ لكم.
-الآية 15، والآية 16: (قُلْ) أيها الرسول لهؤلاء المشركين: (أَذَلِكَ) يعني أهذه النار التي وُصِفتْ لكم (خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) يعني أم جنة النعيم الدائم (الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي التي وَعَدَ اللهُ بها الخائفين من عذابه، (كَانَتْ) الجنة (لَهُمْ جَزَاءً) على أعمالهم، (وَمَصِيرًا) يَرجعون إليه في الآخرة، (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ) مِن كل ما تشتهيه أنفسهم مِمَّا لَذَّ وطابَ من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب وغير ذلك مِمَّا لم يَخطر على قلب بَشَر، (وهذا هو مُنتهَى الإكرام، إذ كَون العبد يَجد كل ما يَشتهي، هو نعيمٌ ليس بعده نعيم) ، (خَالِدِينَ) أي متاعهم فيها دائم، (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) أي كان دخولهم الجنة وعدًا مسؤولًا على ربك - أيها الرسول - يسأله عليه عباده المتقون يوم القيامة قائلين: (رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) ، والملائكة تقول: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ) ، فيُنجز اللهُ لهم وعده، والله لا يُخلف الميعاد.
-الآية 17: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ) أي اذكر أيها الرسول يوم يَحشر الله المشركين مع آلهتهم التي كانوا يَعبدونها (مِنْ دُونِ اللَّهِ) كالملائكة والأنبياء والأولياء والجن (فَيَقُولُ) اللهُ لهؤلاء - الذين عَبَدهم المشركون: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) عن طريق الحق، وأمَرتموهم بعبادتكم؟، (أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) يعني: أم هم الذين ضَلّوا طريق الحق فعبدوكم مِن عند أنفسهم؟ (واعلم أنّ هذا الاستفهام غرضه التقرير والشهادة على المشركين) .
-الآية 18، والآية 19: (قَالُوا) أي قال المعبودون من دون الله: (سُبْحَانَكَ) أي تنزيهًا لك يا ربنا عَمَّا فعل هؤلاء، فـ (مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ) أي لا يَصِحُّ أن نَتَّخِذ تابعينَ لنا نأمرهم بعبادتنا وترْك عبادتك (وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ) بطول الأعمار وسعة الأرزاق، فانغمسوا في الشهوات والمَلَذّات (حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) أي حتى نَسوا ذِكْرك وعبادتك وما جاءتهم به رُسُلك، (وَكَانُوا) بذلك (قَوْمًا بُورًا) أي قومًا هالكينَ خاسرين، فحينئذٍ يُقال للمشركين: (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ) : أي لقد كَذَّبكم الذين عبدتموهم في ادِّعائكم عليهم، (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا) : أي فها أنتم الآن لا تستطيعون دَفْعًا للعذاب عن أنفسكم، (وَلَا نَصْرًا) أي: ولا تجدون مَن يَنصركم فيَمنع عنكم العذاب، (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ) أيها الناس، بأن يُشرِك بربه - فيَعبد غيره ويَمُت على ذلك: (نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) أي نُعَذّبه عذابًا شديدًا في جهنم.