أرسل الحاكم رسولا إلى الوالي في الإسكندرية ومعه رسالة بدأها بشكر الوالي على استجابته لطلب المساعدة، وفحواها طلب الموافقة على نقل الضابط حابي للعمل في معية حاكم إقليم منعت، وبعد أيام عاد الرسول
بالموافقة وأصبح حابي منذ ذلك الوقت ضابطا في حرس كريتياس.
كلما تمر الأيام يزداد إعجاب الحاكم بحابي فقد رأى فيه الكفاءة وسرعة الإنجاز والثقة بالنفس دون غرور أو تعالي في معاملة الآخرين، لذا عهد إليه بحراسة أبنته وخاطبه قائلا: اسمع يا حابي إن ايزادورا عندي أغلى من نفسي، لقد أنجبتها بعد سنوات طويلة من الزواج، وبعد أن مللت الانتظار وفقدت الأمل، ولولا قدرة الربة العظيمة ايزيس ما أنجبتها، ولولا ثقتي في أمانتك وإخلاصك ما عهدت إليك بهذا الأمر، لذا أرجو أن تهتم برعايتها وتوليها كل اهتمامك، لا تنس أنها هبة ايزيس.
ـ نعم سيدي الحاكم سوف أبذل قصارى جهدي في حراستها والحفاظ عليها، لقد تعودت على القيام بمسئولياتي على أفضل وجه، ولكن أسمح لي أنني مع تقديري لايزيس التي يقدرها المصريون جميعا ومعها كل الآلهة المصرية، فأنا أرى أنهم جميعا مجرد أسباب ورموز لإلّه واحد في السماء هو الخالق والقادرعلى العطاء والآخرون مجرد أسماء لا أكثر، هذا ما تعلمته من قراءة تاريخ جدي اخناتون الذي توصل إلى معرفة أن للكون ربا واحدا ورمز له بقرص الشمس أتون، الذي تخرج منه يدا أدمية توزع الخير على البشر وتضئ الكون بنورها، وقد أنشأ في هذه المنطقة مركزا
لعبادة أتون الإله الواحد، لقد عاش جدي اخناتون هنا وتوارثت عائلتي عنه ديانة التوحيد وحتى بعد وفاة صاحب الدعوة وتحول الناس إلى عبادة أمون ظلت بعض العائلات مؤمنة بعقيدة التوحيد سرا وإن اخفت إيمانها خوفا من بطش السلطة، لكن .. الإيمان ظل في أعماقها وإن اختلفت الرموز والتسميات، إن الإيمان بالبعث والحساب والخلود أكبر دليل على الإيمان الروحي بخالق عظيم واهب كل شيء، لذا كان اهتمام المصريين بالقيم الإنسانية العليا والتحلي بالفضائل والأخلاق الحسنة،
ـ اعتقد ما شئت يا حابي هذا شأنك، ولكن ما يهمّني أيها الضابط الشجاع أن تكون حريصا على ابنتي دون إزعاجها أو إشعارها بأنني أفرض عليها قيودا، فقط عليك أن تتفانى في الحفاظ عليها وأنا واثق في إخلاصك ومروءتك، وسوف تسهل لك مهمتك المربية نفرت فهي مصرية مثلك وشديدة الحب لايزادورا.