و في سير السلف الصالح من لدُن الصحابة الكرام فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين صورٌ رائعة، و نماذج فريدة، و أدلةٌ ساطعة على العمل الاستشهاديّ و مشروعيّته، و من ذلك:
ما جاء في قصّة تحصن بني حنيفة يوم اليمامة في بستان لمسيلمة كان يُعرف بحديقة الموت، فلمّا استعصى على المسلمين فتحه، قال البراء بن مالك رضي الله عنه (و هو ممّن إذا أقسم على الله أبَرّه، كما في سنن الترمذي بإسناد صحيح) لأصحابه: ضعوني في الجَحَفَة - أو قال: في ترسٍ، و هما بمعنىً - و ألقوني إليهم فألقوه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين.
رواه البيهقي في سننه الكبرى: 9/ 44، و القرطبي في تفسيره: 2/ 364، و انظره في أسد الغابة و تاريخ الطبري مفصّلًا
و روى الطبري [في تفسيره: 2/ 363] أنّ خيل المسلمين نفرت من فيلة الفرس لما لقيهم المسلمون في وقعة الجسر، فعمد رجل من المسلمين فصنع فيلا من طين و آنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدم فيلة العدو فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أُقتل ويفتح للمسلمين
و هذا الفعل ليس له في لغة الإعلام المعاصر تسمية يعرف بها إلا أن يكون عمليّة استشهادية يسميها العلمانيون فدائيّة أو انتحاريّة.
قلتُ: وجهُ الاستدلال بما رُوي و الاستئناس بما قيل في مسألة حمل المجاهد المقتحم على العدو العظيم لوحده أو الانغماس في الصف و تغرير النفس و تعريضها للهلاك بغلبة الظن أو التيقّن عدم الفارق بينها و بين العمليّات الاستشهاديّة في العصر الحاضر، حيث ينغمس المجاهد بين الكفار، أو يقبل عليهم مقتحمًا مغررًا بنفسه لينكي بهم و يوقع فيهم القتل والإصابة و يشرّد بهم من خلفهم.
و لا أزعم في هذه العجالة إجماعًا على مشروعية الاقتحام و التغرير بالنفس للإنكاء بالعدو و ما يقاس عليها من عمليات الاستشهاديين، بل المسألة خلافيّة، و سيأتي عرض الإمام القرطبي لقول المخالف فيها، و ذهابه مذهب الجمهور في القول بمشروعيتها و جواز الإقدام عليها، إن شاء الله.
المقصد الثالث: حكاية الإجماع على مشروعيّة تقحّم المهالك في الجهاد.