الصفحة 2 من 16

الشيعة لا ينكرون أن الوجود الشيعي كان شبه معدوم من الناحية البشرية وقت النبوة والصحابة، ولم يتبنى التشيع إلا عدد قليل جدا من الصحابة (اقل من عشرة) الذين يسمونهم المنتجبين (1) . وحتى بعد الصحابة لم يتشكل الشيعة في مجتمعات ظاهرة ولا مؤسسات سياسية، بل إن بنيتهم الاجتماعية بقيت رهينة الجيوب الخاصة، ولم تجد طريقها لبناء سياسي وهيمنة سلطوية، إلا في حالات استثنائية في التاريخ، لا تمثل السياق العام زمانا ولا مكانا ولا عددا (2) . وحتى على المستوى العقائدي الشرعي، يقر الشيعة بأن التشيع بمفهومه الإثناعشري، لم يبدأ في التشكل كمذهب عقدي واضح، إلا بعد قرن ونصف من الهجرة، ولم يكتمل إلا بعد ثلاثة قرون (3) .

النتيجة: نفسية الأقلية والتعلق بالمهدي

لهذا السبب يعترف الشيعة في أدبياتهم بأن السنة هم الأصل، وأن الشيعة استثناء إلى درجة انهم يسمون السنة (العامّة) (4) أي عامة الناس، بمعنى أنهم هم الخاصة (الأقلية) . ولذلك يعيش الشيعة هاجس السنة في كتاباتهم وفي نظرتهم للتاريخ، وفي حياتهم الاجتماعية وفي حياتهم السياسية وفي تربيتهم الشخصية. وفي جولة سريعة في كتابات الشيعة الفقهية والعقدية والاجتماعية القديمة والحديثة، يلاحظ القارئ عمق الهاجس بالسنة أو"المخالفين" (5) . ولأن التاريخ أثبت أن قَدَر الشيعة هو الأقلية ولا يمكن بالمقاييس التاريخية الراهنة أن يسود الشيعة، فلا توجد وسيلة لتغيير هذا القدر المحتوم، إلا أن تكون قفزة فوق التاريخ، تحول الشيعة فجأة من أقلية مغمورة لأغلبية مهيمنة. ولا يحقق مثل هذه القفزة إلا شخصية خيالية، تخترق الثوابت التاريخية، وتمثل مخرجا إعجازيا من المجتمع المحدود، إلى الهيمنة الكاملة. وهذا ما يجعل إنجازات المهدي في أدبيات الشيعة مرتبطة بهذه العقدة، فهي معظمها تمكين للشيعة وتحويلهم لأغلبية، وسحق الأغلبية الحالية (السنة) لأنهم أعداء آل البيت، وليست لسلطة الإسلام في الأرض. (6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت