وقد ورد في خطبة (/5) من نهج البلاغة [1] :"أن عباس وأبا سفيان أتيا إلى سيدنا علي × بعد وفاة الرسول ^ واقترحوا عليه الخلافة، وأرادا أن يبايعاه، لكن الأمير × ردهم وقال في جوابهم: مثل هذه السيادة والقيادة أقل وأهون عندي من الماء المالح، واللقمة التي تقف في الحلق ـ...هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آکِلُهَا" [2] .
(1) انظر: نهج البلاغة، الخطبة (/5) لَمَّا قُبض رسول الله ^ وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة (ذلك بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة وفيها ينهى عن الفتنة ويبين عن خلقه وعلمه) . قال÷:"أَيُّها النَّاسُ! شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الْمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ. هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكلُهَا، وَمُجْتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ. خلقه وعلمه فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْك، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ المَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لَاَبْنُ أَبي طَالِبٍ آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَأَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ!".
(2) يجيب الشيعة على هذه الشبهة بأن عليًا ÷ عرف ما كان يقصده أبو سفيان من هذه البيعة! فقد كان يريد أن يشتت شمل المسلمين ويفرق بين جماعة المؤمنين ويشعل نيران الحرب! ونحن نجيب على ذلك بما يلي:
أولًا: نحن نتحدث عن الأوصاف التي وصف بها سيدنا علي × الخلافة. هل يليق بأن يوصف المقام الإلهي والرتبة المهداة من السماء، والمنقبة التي من الله بها بمثل هذه الأوصاف؟!
ثانيًا: قد زعمتم أن هذا الأمر كان في غاية الأهمية، وأن الله اصطفاه دون الناس لهذه المهمة، وأنه جزء أساسي من أصول الدين، وأن تركه كان يؤدي إلى انحراف الإسلام... فقد كان بإمكان سيدنا علي أن يثور ويمسك بمقاليد الحكم ثم يبعد أبا سفيان عن الواجهة ولا يسمح له بالتدخل وبث الفتن وتشتيت صف المسلمين. فإذا كنتم تزعمون أن الإمام الذي اختاره الله هاديًا للبشرية واصطفاه لخلافة سيد الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيين كان يعجز عن القيام بمثل هذه المناورة السياسية البسيطة، وحتى المولى - عز وجل - والملائكة وعلم الغيب وكل القوى المعنوية التي كانت تقف في صفه عجزت عن مساعدته، فهذا لعمري خير دليل على أن كل مزاعمكم باطلة، وهراء اصطنعتموها في مصانع الأهواء ومتاجر الشهوات وليس لها من واقع الأمر شيء!!