فخاطب ثم ترك الخطاب ..
وقال آخر فدى لك يا فتى وجيمع أهلى * وما لي إنه منه أتاني
ولم يقل منك أتاني ..
ووجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أن الخطاب في جميعها غير متعلق بحواء وآدم عليهما والسلام ويجعل الهاء في تغشاها والكناية (في دعوا الله ربهما) و (آتاهما صالحا) راجعتين إلى من أشرك ولم يتعلق بآدم وحواء عليهما السلام من الخطاب إلا قوله (خلقكم من نفس واحدة) لأن الإشارة في قوله (خلقكم من نفس واحدة) إلى الخلق عامة ..
وكذلك قوله تعالى (وجعل منها زوجها) ..
ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فخاطب الجماعة بالتسيير في البر والبحر ثم خص راكب البحر بقوله تعالى (وجرين بهم بريح طيبة) كذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر فأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها آدم وحواء عليهما السلام ..
ثم دعى الذكر أي الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه ادعى الشركاء في عطيته ..
وقيل جائز أن يكون عنى بقوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة المشركين خصوصا إذ كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة ..
ويجوز أن يكون المعنى في قوله تعالى (خلقكم من نفس واحدة) خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وهذا يجيء كثيرا في القرآن وفى كلام العرب قال الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) والمعنى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة وقال (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) فلكل نفس زوج وهو منها أي من جنسها فلما تغشي كل نفس زوجها حملت حملا خفيفا وهو ماء الفحل فمرت به أي مارت والمور التردد والمراد تردد هذا الماء في رحم هذه الحامل (فلما أثقلت) أي ثقل حملها أي بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما دعوا الله أي الرجل والمرأة لما استبان حمل المرأة فقالا لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما أي أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه فتعالى الله عما يشركون ..
وقال قوم معنى (جعلا له شركاء) أي طلبا من الله أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين وتكون الهاء في قوله تعالى (له) راجعة إلى الصالح لا إلى الله تعالى ويجري مجرى قول القائل طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه وعلى هذا الوجه لا يمتنع أن يكون قوله تعالى (جعلا) والخطاب كله متوجها إلى آدم وحواء عليهما السلام.