وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَلِفَ الْمَسْأَلَةَ أَلِفَهُ الْمَنْعُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْذُرَ فِي الْمَنْعِ وَيَشْكُرَ عَلَى الْإِجَابَةِ فَإِنَّهُ إنْ مُنِعَ فَعَمَّا لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ أُجِيبَ فَإِلَى مَا لَا يَسْتَحِقُّ.
فَقَدْ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
لَا تَغْضَبَنَّ عَلَى امْرِئٍ فِي مَالِهِ ... وَعَلَى كَرَائِمِ صُلْبِ مَالِكَ فَاغْضَبْ
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سُؤَالِ مَنْ كَانَ لِلْمَسْأَلَةِ أَهْلًا، وَكَانَ النُّجْحُ عِنْدَهُ مَأْمُولًا، فَإِنَّ ذَوِي الْمُكْنَةِ كَثِيرٌ وَالْمُعِينُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَيْرُ كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ» .
وَالْمَرْجُوُّ لِلْإِجَابَةِ مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ خِصَالُهَا وَهِيَ ثَلَاثٌ: إحْدَاهُنَّ: كَرَمُ الطَّبْعِ فَإِنَّ الْكَرِيمَ مُسَاعِدٌ، وَاللَّئِيمَ مُعَانِدٌ.
وَقَدْ قِيلَ: الْمَخْذُولُ مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللِّئَامِ حَاجَةٌ.
وَالثَّانِيَةُ: سَلَامَةُ الصَّدْرِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ إلْبٌ عَلَى نَكْبَتِك، وَحَرْبٌ فِي نَائِبَتِك.
وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَوْغَرْت صَدْرَهُ اسْتَدْعَيْت شَرَّهُ، فَإِنْ رَقَّ لَك بِكَرَمِ طَبْعِهِ، وَرَحِمَك بِحُسْنِ ظَفَرِهِ، فَأَعْظِمْ بِهَا مِنْحَةً أَنْ يَصِيرَ عَدُوُّك لَك رَاحِمًا.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَحَسْبُك مِنْ حَادِثٍ بِامْرِئٍ ... تَرَى حَاسِدِيهِ لَهُ رَاحِمَيْنَا
وَالْخَامِسُ: ظُهُورُ الْمُكْنَةِ فَإِنَّ مَنْ سَأَلَ مَا لَا يُمْكِنُ فَقَدْ أَحَالَ، وَكَانَ كَمُسْتَنْهِضِ الْمَسْجُونِ، وَمُسْتَسْعِفِ الْمَدْيُونِ، وَكَانَ بِالرَّدِّ خَلِيقًا، وَبِالْحِرْمَانِ حَقِيقًا.
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَنْ لَا يَعْرِفُ لَا حَتَّى يُقَالَ لَهُ لَا فَهُوَ أَحْمَقُ.
وَوَصَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَهْتَمِ ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا تَطْلُبْ الْحَوَائِجَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَلَا تَطْلُبْهَا فِي غَيْرِ حِينِهَا، وَلَا تَطْلُبْ مَا لَسْتَ لَهُ مُسْتَحِقًّا فَإِنَّك إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ حَقِيقًا بِالْحِرْمَانِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا تَسْأَلَنَّ امْرَأً حَاجَةً ... يُحَاوِلُ مِنْ رَبِّهِ مِثْلَهَا
فَيَتْرُكَ مَا كُنْتَ حَمَّلْتَهُ ... وَيَبْدَأُ بِحَاجَتِهِ قَبْلَهَا
فَهَذَا مَا يَخْتَصُّ بِشُرُوطِ الْمُرُوءَةِ فِي نَفْسِهِ.