(فائدة)
قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله: {وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر.
(فائدة)
الزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا، وزهد في النفس، وزهد في الجاه والرئاسة، وزهد فيما سوى المحبوب، وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب، وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب
قال الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله، فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
(موعظة)
من عشق الدُّنْيَا نظرت إِلَى قدرهَا عِنْده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلّته.
وَمن أعرض عَنْهَا نظرت إِلَى كبر قدره فخدمته وذلّت لَهُ.
(فائدة)
وَقَالَ ذُو النُّونِ: الزُّهَّادُ مُلُوكُ الْآخِرَةِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ الْعَارِفِينَ.
وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنِ الْعَارِفِ؟ فَقَالَ: لَوْنُ الْمَاءِ لَوْنُ إِنَائِهِ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ رَمَزَ بِهَا إِلَى حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَلَوَّنَ بِتَلَوُّنِ أَقْسَامِ الْعُبُودِيَّةِ، فَبَيْنَمَا تَرَاهُ مُصَلِّيًا إِذْ رَأَيْتَهُ ذَاكِرًا، أَوْ قَارِئًا، أَوْ مُعَلِّمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ مُجَاهِدًا، أَوْ حَاجًّا، أَوْ مُسَاعِدًا لِلضَّيْفِ، أَوْ مُغِيثًا لِلْمَلْهُوفِ، فَيَضْرِبُ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ مِنَ الْغَنَائِمِ بِسَهْمٍ، فَهُوَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِينَ مُتَسَبِّبٌ، وَمَعَ الْمُتَعَلِّمِينَ مُتَعَلِّمٌ، وَمَعَ الْغُزَاةِ غَازٍ، وَمَعَ الْمُصَلِّينَ مُصَلٍّ، وَمَعَ الْمُتَصَدِّقِينَ مُتَصَدِّقٌ، فَهُوَ يَتَنَقَّلُ فِي مَنَازِلِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ عُبُودِيَّةٍ إِلَى عُبُودِيَّةٍ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، لَا يَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ.