فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 766

[فَصْلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ السَّارِقِ وَالْمُنْتَهِبِ]

وَأَمَّا قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَتَرْكُ قَطْعِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْغَاصِبِ فَمِنْ تَمَامِ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ السَّارِقَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَنْقُبُ الدُّورَ وَيَهْتِكُ الْحِرْزَ وَيَكْسِرُ الْقُفْلَ، وَلَا يُمْكِنُ صَاحِبَ الْمَتَاعِ الِاحْتِرَازُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَشْرَعْ قَطْعَهُ لَسَرَقَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَعَظُمَ الضَّرَرُ، وَاشْتَدَّتْ الْمِحْنَةُ بِالسُّرَّاقِ، بِخِلَافِ الْمُنْتَهِبِ وَالْمُخْتَلِسِ؛ فَإِنَّ الْمُنْتَهِبَ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ جَهْرَةً بِمَرْأَى مِنْ النَّاسِ، فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَيُخَلِّصُوا حَقَّ الْمَظْلُومِ، أَوْ يَشْهَدُوا لَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ مَالِكِهِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ نَوْعِ تَفْرِيطٍ يُمَكِّنُ بِهِ الْمُخْتَلِسَ مِنْ اخْتِلَاسِهِ، وَإِلَّا فَمَعَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ وَالتَّيَقُّظِ لَا يُمْكِنُهُ الِاخْتِلَاسُ، فَلَيْسَ كَالسَّارِقِ، بَلْ هُوَ بِالْخَائِنِ أَشْبَهُ؛ وَأَيْضًا فَالْمُخْتَلِسُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهِ غَالِبًا، فَإِنَّهُ الَّذِي يُغَافِلُكَ وَيَخْتَلِسُ مَتَاعَكَ فِي حَالِ تَخَلِّيكَ عَنْهُ وَغَفْلَتِكَ عَنْ حِفْظِهِ، وَهَذَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، فَهُوَ كَالْمُنْتَهِبِ؛ وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَالْأَمْر فِيهِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقَطْعِ مِنْ الْمُنْتَهِبِ، وَلَكِنْ يَسُوغُ كَفُّ عُدْوَانِ هَؤُلَاءِ بِالضَّرْبِ وَالنَّكَالِ وَالسِّجْنِ الطَّوِيلِ وَالْعُقُوبَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي.

(فَصْلٌ)

[لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ إتْلَافُ كُلِّ عُضْوٍ وَقَعَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ]

وَأَمَّا مُعَاقَبَةُ السَّارِقِ بِقَطْعِ يَدِهِ وَتَرْكِ مُعَاقَبَةِ الزَّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ فَفِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَمَصْلَحَةِ خَلْقِهِ وَعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ يُتْلِفَ عَلَى كُلِّ جَانٍ كُلَّ عُضْوٍ عَصَاهُ بِهِ، فَيَشْرَعُ قَلْعَ عَيْنِ مَنْ نَظَرَ إلَى الْمُحَرَّمِ وَقَطْعَ أُذُنِ مَنْ اسْتَمَعَ إلَيْهِ، وَلِسَانِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَيَدِ مَنْ لَطَمَ غَيْرَهُ عُدْوَانًا، وَلَا خَفَاءَ بِمَا فِي هَذَا مِنْ الْإِسْرَافِ وَالتَّجَاوُزِ فِي الْعُقُوبَةِ وَقَلْبِ مَرَاتِبِهَا؛ وَأَسْمَاءُ الرَّبِّ الْحُسْنَى وَصِفَاتُهُ الْعُلْيَا وَأَفْعَالُهُ الْحَمِيدَةُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مُجَرَّدَ الْأَمْنِ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ لَيْسَ إلَّا، وَلَوْ أُرِيدَ هَذَا لَكَانَ قَتَلَ صَاحِبَ الْجَرِيمَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الزَّجْرُ وَالنَّكَالُ وَالْعُقُوبَةُ عَلَى الْجَرِيمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ إلَى كَفِّ عُدْوَانِهِ أَقْرَبَ، وَأَنْ يَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ، وَأَنْ يُحْدِثَ لَهُ مَا يَذُوقُهُ مِنْ الْأَلَمِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَأَنْ يُذَكِّرَهُ ذَلِكَ بِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت