لما قال صاحب منازل السائرين: اللطيفة الثالثة أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.
قال - رحمه الله - متعقّبًا له: هذا الكلام إن أخذ على ظاهره فهو من أبطل الباطل الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين لنسب إلى لازم هذا الكلام، ولكن من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك، ومن ذا الذي لم تَزِلّ به القَدَم ولم يَكْب به الجواد.
وقال صاحب منازل السائرين في موضع آخر: الرجاء أضعف منازل المريدين؛ لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه، وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة وتلك الفائدة هي كونه يبرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس.
فقال - رحمه الله: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامِله ثم نبين ما فيه…فأما قوله الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك بل هو من أجل منازلهم وأعلاها وأشرفها وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله، وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)
وقال في موضع ثالث: شيخ الإسلام - يعني الهروي - حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: عمله خير من علمه، وصدق - رحمه الله - فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشقُّ له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
وتلك الأخطاء لو وجدها صبيان الصحف لطاروا بها ولطيّروها، ولَبَنَوْا عليها قصورًا، ولَشيّدوا عليها منارات، يظنّون أنهم بهذا الفعل أتوا بما لم تأت به الأوائل!
فهذا شيء من إنصافه، وله وصيةٌ في ذلك.
قال - رحمه الله: فإذا أردت الاطلاع على كُنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرِّده من لباس العبارة، وجرِّد قلبك عن النفرة والميل ثم أعط النظر حقه، ناظرا بعين الإنصاف، ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تامًّا بكل قلبه، ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشّزَر والملاحظة، فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ، والناظر بعين المحبة عكسه، وما سلم من هذا إلا من أراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق. اهـ.
فما أحوجنا إلى هذا الأدب من هذا العالِم الرّباني، وما أحوج الناس إلى الإنصاف، وطلاّب العلم على وجه الخصوص.