فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 346

(فصل: آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا عَلَيْهِ السّلَامُ)

فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا عَلَيْهِ السّلَامُ"اللهُمّ الرّفِيقَ الْأَعْلَى"

وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ} إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النّسَاءُ: 69] فَهَذَا هُوَ الرّفِيقُ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَقُلْ الرّفَقَاءُ لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمّا حَسُنَ ذَلِكَ مَعَ أَنّ أَهْلَ الْجَنّةِ يُدْخِلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَهَذِهِ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا عَلَيْهِ السّلَامُ وَهِيَ تَتَضَمّنُ مَعْنَى التّوْحِيدِ الّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلَامِ الْمُؤْمِنِ لِأَنّهُ قَالَ {مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ} وَهُمْ أَصْحَابُ الصّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُمْ أَهْلُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ثُمّ بَيّنَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدّمَةِ مِنْ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَهُمْ وَهُمْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى الّذِي ذَكَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خُيّرَ فَاخْتَارَ وَبَعْضُ الرّوَاةِ يَقُولُ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ وَقَالَ"فِي الرّفِيقِ"وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ"اللهُمّ الرّفِيقَ"، وَأَشَارَ بِالسّبّابَةِ يُرِيدُ التّوْحِيدَ فَقَدْ دَخَلَ بِهَذِهِ

الْإِشَارَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ دَخَلَ الْجَنّةَ"، وَلَا شَكّ أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي أَعَلَى دَرَجَاتِ الْجَنّةِ وَلَوْ لَمْ يُشِرْ وَلَكِنْ ذَكَرْنَا هَذَا لِئَلّا يَقُولَ الْقَائِلُ لِمَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَوّلُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ أَنْ قَالَ"اللهُ أَكْبَرُ"رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيّ.

وَأَمّا آخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ بِأَنْ قَالَ"الصّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"حَرّكَ لَهَا لِسَانَهُ وَمَا يَكَادُ يُبِينُ، وَفِي قَوْلِهِ"مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلَانِ": قِيلَ أَرَادَ الرّفْقَ بِالْمَمْلُوكِ وَقِيلَ أَرَادَ الزّكَاةَ لِأَنّهَا فِي الْقُرْآنِ مَقْرُونَةٌ بِالصّلَاةِ وَهِيَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ قَالَهُ الْخَطّابِيّ.

وَقَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا:"فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنّي أَنّهُ قُبِضَ فِي حِجْرِي فَوَضَعْت رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ وَقُمْت أَلْتَدِمُ مَعَ النّسَاءِ"الِالْتِدَامُ ضَرْبُ الْخَدّ بِالْيَدِ وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي التّحْرِيمِ لِأَنّ التّحْرِيمَ إنّمَا وَقَعَ عَلَى الصّرَاخِ وَالنّوَاحِ

وَلُعِنَتْ الْخَارِقَةُ وَالْحَالِقَةُ وَالصّالِقَةُ وَهِيَ الرّافِعَةُ لِصَوْتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ اللّدْمَ لَكِنّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَإِنّهُ مَكْرُوهٌ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَتَرْكُهُ أَحْمَدُ إلّا عَلَى أَحْمَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَالصّبْرُ يُحْمَدَ فِي الْمَصَائِبِ كُلّهَا ... إلّا عَلَيْك فَإِنّهُ مَذْمُومُ

وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لَابِسُ الصّبْرِ حَازِمًا ... فَأَصْبَحَ يُدْعَى حَازِمًا حِينَ يَجْزَعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت