فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حَقٌّ وَلَكِنَّ سَبَبَ التَّعْذِيبِ لَا يَزُولُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ عَارِضًا كَمَعَاصِي الْمُوَحِّدِينَ ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَازِمًا كَالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ فَإِنَّ أَثَرَهُ لَا يَزُولُ كَمَا لَا يَزُولُ
السَّبَبُ ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) (6: 28) فَهَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَطَبَائِعَهُمْ لَا تَقْتَضِي غَيْرَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَأَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) (17: 72) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ ضَلَالَهُمْ وَعَمَاهُمْ عَنِ الْهُدَى دَائِمٌ لَا يَزُولُ حَتَّى مَعَ مُعَايَنَةِ الْحَقَائِقِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَى وَالضَّلَالُ لَا يُفَارِقُهُمْ فَإِنَّ مُوجِبَهُ وَأَثَرَهُ ، وَمُقْتَضَاهُ لَا يُفَارِقُهُمْ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (8: 23) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ خَيْرٌ يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَمَا ضَيَّعَ عَلَيْهِمْ أَثَرَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ هُنَاكَ أَيْضًا قَوْلُهُ:"أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ"فَلَوْ كَانَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ لَخَرَجُوا مِنْهَا مَعَ الْخَارِجِينَ .