وقوله تعالى: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، وهو قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} ومن قرأ بالتاء فكأنه ضمَّ إليهم في الخطاب المسلمون، فغلِّب الخطاب على الغيبة، ويؤكد التاء قوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ، وما في {قُلْ} من الخطاب.
78 -قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} . هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} ؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة} .
وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) عندنا ما قتلوا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة. والبروج في كلام العرب القصور والحصون.
وقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة.
وبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة.
وأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها. والبرج سعة العين لظهورها بالاتساع.
وأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء {بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} يريد الحصون، أي لا تُرام. وقال في رواية الضحاك البروج الحصون والآطام والقلاع.
وقال مجاهد وابن جريج: هي القصور.
وقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها.
وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه.