فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 381

أو اسم مصدر من ذلك، أو مصدر محذوف الزوائد من أبان الشيء يبينه إذا أظهره، إبانة، وأصله إبيانا، وبيان اسم له، كالنبات للإنبات في قوله تعالى:

{أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [1] وهذا أولى لأن البيان يوصف به المتكلم، يقال:

رجل ذو بيان، أي ذو إبانة لمعاني كلامه، أي: إظهار لها، ولا يصح هاهنا أن يقال:

رجل ذو ظهور إلا بتأويل بعيد، أي ذو كلام له ظهور، أو ذو ظهور لكلامه [2] .

إذا ثبت هذا، فمعنى قولنا علم المعاني والبيان: العلم المراد بالألفاظ، وإظهار المراد بها، ثم يتفاوت ذلك الإظهار بحسب تفاوت القوى النفسية، والقرائح الذهنية، فيظهر بذلك التفاوت في مقادير البلغاء، ومراتب الخطباء والنصحاء، فأعلى مراتب البيان: إظهار المراد بالكلام غاية الإظهار.

فإن قلت: ما ذكرته في الكشف عن حقيقة هذا العلم، يقتضي أن الكلام كلما كان في البيان أدخل، كان في الظهور والجلاء أبلغ، وإلى الأفهام أسبق، والأمر على العكس من ذلك، فإن النكت التي ذكرها أهل هذا العلم من القرآن وكلام العرب مما سيأتي أمثلته في غاية الدقة من الأذهان، ولا يحققها إلا الأذكياء الأعيان، فقد بان بذلك أن هذا العلم على عكس ما قررتموه في تحقيقه.

قلت: ليس الأمر كما ذكرت، وإنما زلّت قدمك في هذه الشبهة من جهة: أن الظهور على ضربين:

ظهور بديهي. كظهور البديهيات لنا نحو: إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا معدوما، ولا قديما حادثا معا.

وظهور نظري، أي: مترتب على النظر، كظهور النظريات لنا، نحو: حدوث العالم، ووجود صانعه، وقدمه، وحوار بعثه الرسل، ونحوها، فإن هذه قضايا لا تظهر لنا صحتها بديهة، بل إذا نظرنا في براهينها، ترتب ظهور العلم بها على ذلك النظر ترتبا

(1) سورة نوح آية 17.

(2) في الأصل: أو رد ظهور كلامه وهو تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت