فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 381

والحق والباطل، وشبّهه بماء الغيث الذي تجري به الأودية فيحمل الغثاء، وهو: ما تحمله من عود أو شجر أو غيره ولذلك فالغثاء، وهو: الزبد، يذهب جفاء: أي يلقى مطّرحا، وينتفع بالماء بما ينبت من الكلأ، ويروى من الظمأ، وبالمعادن كالحديد والصفر والنحاس إذا عولجت بالنار، فإنها تذهب خبثها، وما لا ينتفع منها، ويبقى الجوهر الصافي ينتفع به، باتخاذه حلية أو متاعا. وذكر بعض المفسرين أن معنى قوله تعالى: {فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} أن المعادن تقذف زبدها فتلقيه، ويبقى خالصها، مستترة في مستقر من الأرض، وهذا موافق لقول الكيمائيين.

وهؤلاء الناسخة يحتمون لمذهبهم في التناسخ بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [1] أي كانوا بشرا مثلكم ثم نسخت أرواحهم في أجسام الدواب والطيور، بدليل قوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [2]

{عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} [3] وبقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [4] لكنه احتجاج ضعيف يرده المعقول والمنقول، وهؤلاء المتصوفة، وأصحاب الرياضيات والمجاهدات يحتجون على ثبوت العلم اللدنيّ بقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [5] ويقولون: ان الإنسان إذا راض نفسه بالعبادة وقلة الغذاء، استعدّت لقبول الفيض الإلهي، فيفيض عليها منه علم تدرك به حقائق بعض الغائبات، كالمرآة إذا جلّيت أشرقت، واستعدت لحكاية صور المقابلات، إلا أن هذه دعوى صحيحة، ومتمسك صحيح، لا وجه للنزاع فيها بعد تحقيق وقوع ذلك كثيرا من صالحي هذه الأمة وغيرها، ويكفي من ذلك قصة الخضر عليه السلام، قال بشر بن الحارث الحافي [6] رحمه الله: الجوع ينور القلب، ويكسر شره النفس، ويورث العلم الدقيق». والظاهر أنه أشار إلى هذا.

(1) سورة الأنعام آية 38.

(2) سورة الواقعة آية 60.

(3) سورة الواقعة آية 61.

(4) سورة الانفطار آية 8.

(5) سورة الكهف آية 65.

(6) بشر بن الحارث المعروف بالحافي توفي سنة 227تاريخ بغداد 7/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت