عليّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليّ بأن لا تفهم البقر
والإطناب عكس الإيجاز، والإيجاز له موضع وهو للخواص، والإطناب له موضع وهو للخواص والعوام.
فالإطناب تطويل اللفظ والمعنى جميعا للمبالغة في الإفهام، والإيصال إلى الأوهام، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب، والإطناب في موضع الإيجاز، فقد أخطأ، والإطناب بلاغة، والتطويل عيّ.
وأحسن ما وصل إليه الإطناب في رأي الطوفي هو ما اشتهر بين العلماء المتأخرين من شروح الكتب المختصرة، فإن هذه الكتب في رتبة الإيجاز، وشروحها في رتبة الإطناب.
ومن الإطناب تفسير المبهم:
بأن يذكر الشيء مبهما ثم يفسر، وذلك طلبا لتفخيمه وإعظامه لأنه يذهب بالسامع كل مذهب، وقد استعدت النفس لشوقها إلى معرفة المبهم، فيكون أبلغ وأشد موقعا.
أما الإبهام دون تفسير فكثير في القرآن نحو قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء 9) ، فالتي صفة لشيء محذوف لا نعلم حقيقته أهي الطريقة أو الملّة أو الجنة؟.
إلا أن المعنى مفهوم من حيث الجملة إذ معناه: يهدي إلى الخير والرشاد.
والتكرار ينقسم إلى قسمين: مفيد وغير مفيد.
والمفيد من التكرار هو الذي ورد في القرآن الكريم، أما غير المفيد فقد خلا منه القرآن.
والغرض من التكرار المفيد: تأكيد الأمر وتفخيمه وتعظيمه، كأن يكرر المعنى الواحد لغرضين مختلفين، كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة 5) ، فكرر لفظة إياك لأن الغرض منهما مختلف فالأولى تفيد إضافة العبادة إلى الله، والثانية إضافة الإعانة. وتكرار هذا اللفظ آكد وأدل على ضراعة المؤمنين وصدقهم وإخلاصهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القرآن في غاية البلاغة والكلام
البليغ يراعي فيه أحوال العبارة بالإضافة إلى المعنى، ولا شك أن: إياك نعبد وإياك نستعين، أعدل مما لو حذفت الثانية، فلو حذفت الثانية لنقصت عن الأولى جزءا، وزال الاعتدال والتناسب.