في المصير، وبهذا المعنى فما من حقيقة من حقائق الدين الشاملة عقدية كانت أو تشريعية إلا وهي منبثقة عن التوحيد وراجعة إليه، فهو روح الدين كله، الساري فيه مسرى الماء من النبات، فما من موضع انسحب منه أصابه الجفاف، ... وعقيدة هذا موقعها من الدين من شأنها أن تطبع معتقديها في ممارستهم للحياة كلها فكرا ووجدانا وسلوكا بطابع الوحدة، بحيث يصير كل نشاط ذهني أو عملي دائرا في بنيته وغايته قانون من الوحدة والتآلف التي تتآلف بما المختلفات وتتوحد بها المقاييس وتلتقي بها المشارب على هدف مشترك" [1] ."
فهذا الإيمان بهذه العقيدة التوحيدية يطبع فكر ومعرفة الانسان ليترجم إلى سلوكات تنتج ثقافة وحضارة ....
-التوحيد في المعرفة: فعقيدة التوحيد ترجع كل شيء في المعرفة إلى ذلك المبدأ في تكوين رؤية عن الكون والإنسان والحياة، فالتوحيد يجعل مصادر المعرفة في الوحي، والكون، والعقل كأداة بينهما. لهذا أنتج المسلمون في الصدر الأول معرفة وثقافة متوازنة لانبنائها على أصل التوحيد، فالوحي يعطي المعرفة التي لا يمكن الحصول عليها بالعقل، والعقل ينشئ ويؤسس علوم يجدد ويقتبس وفق منهج التوحيد، ليطبقها على الكون والواقع، ويجعل نتائج المعرفة خاضعة لمبدأ التوحيد فلا يمكن أن ينتج إلا ما يرضي الله عز وجل وما ينفع البشرية، فلو كان التوحيد حاضرا لدى قوم شعيب ونوح لما سخروا المادة لابتزاز الناس، والاستعلاء على الآخرين ... وهذه المعرفة تترجم وتجسد على أرض الواقع في شكل أفعال وسلوك وممارسة لأن التوحيد يربط بين العلم والعمل.
فالفكر الاسلامي اليوم ملقاة على عاتقه إعادة الاعتبار لهذه المفهوم الإسلامي، حتى يستطيع تحقيق مقصد التوحيد في الحوار، فمسؤولية الفكر وعلماء الأمة"لجسيمة وعظيمة أمام الله تعالى في أن تعيد إلى ذاكرة الأمة معنى التوحيد الحاضن للقيم والمعاني وما يستلزمه من نفي وإثبات وولاء وبراء في سيرة المصطفى عليه السلام" [2] .
يقول طه جابر العلواني:"إننا نحن المسلمين وعلى الرغم من أن موقعنا الحالي من العلم موقع المستهلك لا الشريك الفاعل، ورغم تخلفنا، نستطيع بالتوحيد وبالرؤية الكلية الاسلامية ومنهجية القرآن المعرفية أن نعالج أزمة العلم، وأزمة المنهج ونقوم"
(1) - فقه التحضر الاسلامي: لعبد المجيد النجار، دار الغرب الاسلامي، ط 1، 1999، ص 64.
(2) - الأبعاد العطلة لمفهوم التوحيد: سعيد شبار، جريدة الصحوة، ع 24، ص 12.