المصلحة الدنيوية، والأدلة على أن الأصل في الإسلام عدم إبداء الرأي إلا إذا كان خيرًا كثيرة، ويمكن تقسيمها إلى أنواع ثلاثة:
النوع الأول: الأدلة التي تفيد أن ألفاظ الإنسان تحصى عليه، ويؤاخذ بها في الآخرة؛ ليكون رقيبًا على ما يقول، وهذا من أقوى القيود على حرية الرأي وأشدها: قال الله تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] {ق:18} . وقال تعالى [هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ] {الأحقاف:8} .وقال تعالى [أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ] {الزُّخرف:80} .وقال تعالى [وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ] {الانفطار:10 - 12} .
قال ابن عاشور: «وإنما خص القولُ بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير: المشركون، وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي ^ أو أذاه، ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم ... ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل بإلقاء الشُبَه، وتغرير الأغرار، ونحو ذلك» . [1]
قلت: كل ما ذكره ابن عاشور من الأقوال السيئة مباح في الفكر الغربي، ويندرج تحت حرية الرأي، ومن حق أي أحد أن يدعو إلى الشرك وعبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل، وإلقاء الشبه، وغير
(1) التحرير والتنوير: 26/ 303.