ومن خلال ما سبق يتضح ما للقراءات من أثرٍ بالغٍ في تفسير كتاب الله تعالى واستنباط المعاني الجديدة واتساعها، إذ إنَّ كل قراءة توضح وتبين معنًى جديدًا لم تبينه القراءة السابقة، وقد أرجع العلماء اختلاف القراءات القرآنية إلى سببين:
الأول: ما كان سببه يرجع إلى اختلاف اللهجات العربية، والذي من أجله نزل القرآن على سبعة أحرفٍ تيسيرًا على الناس ورفعًا للحرج عنهم، وذلك كالاختلاف في تحقيق الهمز وتسهيله، والإمالة والفتح, ونحو ذلك.
الثاني: ما كان سببه يرجع إلى خاصيةٍ في القرآن نفسه وهو الإعجاز، كالانتقال من الغيبة إلى الخطاب أو إلى صيغة التكلم. [1]
قال ابن عاشور في مقدمة تفسيره:"أرى أنَّ للقراءات حالتين: إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحالٍ، والثانية لها تعلقٌ به من جهاتٍ متفاوتةٍ."
أمَّا الحالة الأولى: فهي اختلاف القراء في وجوه النطق بالحروف والحركات، كمقادير المد, والإمالات, والتخفيف, والتسهيل, والتحقيق, والجهر والهمس, والغنة. مثل عذابِيْ بسكون الياء، وعذابيَ بفتحها، وفي تعدد وجوه الإعراب مثل (حتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) بفتح لام (يقول) وضمها .... ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنَّها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها، وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف في مخارجها وصفاتها، وبيان اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة، وهذا غرضٌ مهمٌ جدًا لكنَّه لا علاقة له بالتفسير لعدم تأثيره في اختلاف معاني الآي [2]
وأمَّا الحالة الثانية: فهي اختلاف القراء في حروف الكلمات مثل: (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ) (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) الفاتحة (4) و (نُنْشِزُها) ، (نُنْشِرُها) البقرة (259) ، و (ظَنُّوا أنَّهُم قد كُذِّبوا) يوسف (110) بتشديد الذال أو (قد كُذِبوا) بتخفيفه، وكذلك اختلاف الحركات الذي يختلف معه معنى الفعل كقوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذّا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّون) الزخرف (57) قرأ نافع بضم الصاد، وقرأ حمزة بكسر الصاد، فالأولى بمعنى: يصِدُّون غيرهم عن الإيمان، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم, وكلا المعنيين حاصلٌ منهم، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلقٍ بالتفسير, لأنَّ ثبوت أحد اللفظين في قراءةٍ قد يبين المراد من نظيره في القراءة الأخرى، أو يثير معنًى غيره، ولأنَّ اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة نحو (حتى يطَّهَّرْن) البقرة (222) بفتح الطاء المشددة والهاء المشددة، وبسكون الطاء، وضم الهاء مخففة، ونحو (لامَسْتُم النِّسَاءَ) و (لَمَسْتُم النِّسَاء) النساء (43) والظن أن الوحي نزل بالوجهين وأكثر، تكثيرًا للمعاني وأنا أرى أن على المفسر أن يبيِّن اختلاف القراءات المتواترة لأنَّ في اختلافها توفير معاني الآية غالبًا، فيقوم تعدد القراءات مقام تعدد كلمات القرآن". [3] "
(1) . انظر منهج الإمام الطبري في القراءات, رسالة ماجستير للدكتور عبد الرحمن الجمل ص 97.
(2) . بعض العلماء أشار إلى معاني تؤخذ من هذا النوع من اختلاف القراءات, وهذا ما تبيَّن أثناء البحث.
(3) . التحرير والتنوير لابن عاشور م 1 ج 1 ص 51 - 56.