تأمل رحمك الله حال صغرك وتذكر ضعفك أثناء طفولتك، فقد حملتك أمك في أحشائها تسعة أشهر وهنًا على وهن حملتك كرهًا ووضعتك كرهًا ولا يزيدها نموك إلا ثقلًا وضعفًا، وعند الوضع رأت الموت بعينها ولما بصرت بك إلى جنبها سرعان ما نسيت كل آلامها، وعلقت فيك جميع آمالها رأت فيك بهجة الحياة وزينتها. ثم شغلت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها، طعامك درها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة، وعليك شفيقة إذا غابت عنك دعوتها وتبكي لفقدها، وتسعد لرؤيتها، ولا تنام إلا بحجرها، ولا تسعد إلا بلقائها، عندما تدخل المنزل أول ما تسأل عنها، تبحث عنها في كل مكان، كي تراها وهي تنظر إليك بعين الحب والمودة، وإذا أعرضت عنك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استغثت بها بعد الله، تحسب كل الخير عندها، وتظن أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها، أو لحظتك بعينها، لا تنكر إحسانها إليك، ولا تعجب بشبابك وفتوتك، ولا يغرك تعليمك وثقافتك، ولا ترتفع بجاهك ولا منصبك عنها، ولا تؤذيها بالتأفف والتبرم، ولا تجاهرها بالسوء والفحش والقول ولا تقهرها ولا تنهرها فأنت محتاج إليها، لتزفك يوم ما وتدعو لك فإن دعاءها لك