خرج ليعيش تحت خمائل الإسلام الوارفة وهو يودعها وتودعه على فراق لا تلاقي بعده ... تنهمل عيناهما على الفراق المرير
ها هو يقبل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة جلوس ... تملى الصحابة من القادم؟ فإذا بهم يعرفونه!! فرقت قلوبهم لحاله وسحت عيونهم الدمع السخي لمنظره، فلقد تعودوا أن يروه في لباس ناعم فاره ... يسبقه شذا العطر الزكي، فلا يعرفونه إلا بعطره أما اليوم فلباسه لباس قد تبدل ... فلقد كان يلبس ثوبًا مرقعًا خشنًا ... لم يكن على محياه من آثار النعمة شيء؛ بل به النحول والشحوب من قلة الأكل فربما أكل اليوم وجاع غدًا.
عندها قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيت مصعبًا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك حبًا لله ورسوله» .
ويأتي يوم أحد ... ومصعب حامل الراية تأتيه ضربة تقطع يمينه، فيأخذ الراية بشماله ... وتقطع شماله فيضم الراية بعضديه، وتأتي إليه الضربة من قفاه لتخرج من صدره فيقع وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .