البحث الثالث
في بيان ما يعتبر من المصالح
اعلم وفقنا الله وإياك أن عناية الشرع بدرء المفاسد أكثر من عنايته بتحصيل المصالح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ) )، ويجب أن تعلم أن فعل السيئة يجر إلى فعل السيئة، وكذلك فعل الحسنة، قال عز من قائل: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 - 10] ، فإذا فعل العبد معصية حصلت في قلبه نكتة سوداء كالمرآة الصقيلة إذا حصل فيها نقطة من الخل، فإن تلافاها بالتوبة زالت، وإن زاد معصية أخرى جرته إلى أخرى إلى أن تسود مرآة القلب، فيخشى عليه أن يختم عليه بالكفر والعياذ بالله تعالى. قال عز من قائل: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله} [الروم: 10] الآية، وقال عز من قائل: {فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] ، وإذا فعل الحسنة استنار قلبه، وبعثه ذلك على حسنة أخرى إلى أن يستنير قلبه ويصلح أن يكون محلًا لملك الملوك كما روي في الخبر أن الله تعالى قال: (( لا تسعني سماواتي ولا أرضي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ) ).
ثم إن المصالح ثلاثة أقسام: قسم اعتبره صاحب الشرع فهو معتبر إجماعًا. وقسم ألغاه فهو ملغي إجماعًا كالمنع من زراعة العنب خشية أن يعصر خمرًا. وقسم ما اعتبره بعينه ولا ألغاه، ولكن اعتبر المصلحة من حيث إنها مصلحة، وهذا هو المعبر عنه بالمصلحة المرسلة، وبها قال مالك رحمه الله، ولذلك قال مالك بتضمين الصناع.
وإذا اعتبرت أبواب الفقه وجدتها كلها شرعت لمصلحة، غير أن تلك المصلحة تارة نعرفها كما عرفنا وجوب إطعام الجيعان إذا أشرف على الموت، وتارة لا نعرفها وكن نجزم باشتمال ذلك الحكم على المصلحة طردًا لقاعدة الشرع في اعتبار المصالح، فخص الله تعالى وجوب الظهر بزوال الشمس دون ما قبله وما بعده لحكمة استأثرها، وقد ذكرت في أول كل كتاب حكمة مشروعيته، والله تعالى الموفق للصواب بمنِّه.