الصفحة 18 من 44

(( يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ كِلاَهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ) (( إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ ) )إلى غيرِ هذا، فيُمِرُّونها كما جاءَتْ؛ صفةُ الرحمةِ، صفةُ الغضبِ، صفةُ الرضا، اليَدُ، الوجهُ ... إلى غيرِ هذا.

ويَعْلَمُونَ أنَّها حقٌّ، وأنَّها صفاتٌ لائقةٌ باللَّهِ، ثابتةٌ للهِ على الوجهِ اللائقِ به سبحانه وتعالى، كما يقولُ جلَّ وعلا: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، هكذا أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، يُمِرُّونَهَا معَ الإيمانِ بها، وأنَّها حقٌّ، أما تأويلُ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والأشاعرةِ وغيرِهم، فهذا كلُّه لا يَصْلُحُ، كلُّه باطلٌ.

(5) (غِيَرِه) بالغينِ، يعني: تغييرَ الأمورِ مِن شِدَّةٍ إلى رَخَاءٍ، ومن رخاءٍ إلى شِدَّةٍ، ومِن صِحَّةٍ إلى مَرَضٍ، ومِن مَرَضٍ إلى صِحَّةٍ.

(6) وهذا هو الحقُّ؛ فإنَّ أسماءَ الربِّ وصفاتِه تَوْقِيفِيَّةٌ، ليسَ لأحدٍ أنْ يَقْتَرِحَ أو يَخْتَرِعَ شيئًا لم تَأْتِ به النصوصُ مِن صفاتِ اللَّهِ، ولكن يُسَمَّى بما سَمَّى به نفسَه، وسَمَّاهُ به رسولُه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ويُوصَفُ بما وَصَفَ به نفسَه ووَصَفَه به رسولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليسَ للإنسانِ أنْ يَخْتَرِعَ شيئًا مِن عندِه، بل يَقِفُ حيثُ وَقَفَتِ النصوصُ، ويُمِرُّها كما جاءَتْ، مِن غيرِ تأويلٍ ولا تَكْيِيفٍ، ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ للهِ بخلقِه، بل يُمِرُّها كما جاءَتْ، معَ الإيمانِ القاطِعِ أنَّه سبحانه ليسَ كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ، والإيمانِ بأنَّه الكاملُ في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه جلَّ وعلا، وأنَّه لا أكْمَلَ منه سبحانه وتعالى في كلِّ شيءٍ.

(7) معنى بائِنٍ: مُنْفَصِلٍ، فهو مُنْفَصِلٌ عن خلقِه، ليسَ في خلقِه شيءٌ منه، وليسَ في ذاتِه شيءٌ من خلقِه، فهو مُسْتَقِلٌّ سبحانه وتعالى فوقَ عرشِه، فوقَ سماواتِه جلَّ وعلا.

(8) كلُّهم مُجْمِعُونَ على هذا، كلُّ أئِمَّةِ الإسلامِ مِن الصحابةِ ومَن بعدَهم، كلُّهم مُجْمِعُونَ على ضَلالِ الجَهْمِيَّةِ، وأشباهِهم مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ في الصفاتِ ويَنْفِيها ويُعَطِّلُها، ولهذا أجْمَعَ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ على ضلالِهم، وأنَّهم قد قالوا قولًا إدًّا، ولهذا قالَ جمهورُهم بأنَّهم كفَّارٌ ضُلاَّلٌ، ليس لهم اجْتِهادٌ، بل قولُهم باطلٌ، وهم كفَّارٌ بهذا لإنكارِهم أسماءَ الربِّ وصفاتِه. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.

يقولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في النونِيَّةِ:

وَلَقَدْ تَقَلَّدَ كُفْرَهُمْ خَمْسُونَ فِي عَشْرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْبُلْدَانِ

وَاللاَّلَكَائِيُّ الإمامُ حَكَاهُ عَنْهُمْ بَلْ حَكَاهُ قَبْلَهُ الطَّبَرَانِي

المقصودُ: أنَّ أئِمَّةَ الإسلامِ وجُمْهُورَهم يَرَى كُفْرَهم وضلالَهم، وإنْ تَسَمَّوْا بالإسلامِ؛ لأنَّهم كذَّبوا بالنصوصِ، وأنْكَرُوا ما دَلَّتْ عليه النصوصُ مِن أسماءِ الربِّ وصفاتِه. نَسْأَلُ اللَّهَ العافيةَ.

(9) والمعنى: أنَّ الجَهْمِيَّةَ في نَفْيِهِمُ الصفاتِ يُحَاوِلُونَ بذلك نَفْيَ وُجُودِ اللَّهِ بالكُلِّيَّةِ، وإنكارَ وُجُودِه بالكليةِ، وهذا غايةٌ في الإلحادِ والضلالِ والكفرِ؛ فإنه إذا قِيلَ: إنَّه ليسَ بعليمٍ ولا قديرٍ ولا سميعٍ ولا بصيرٍ ... إلخ، معناه النفيُ المَحْضُ. نَعُوذُ باللَّهِ.

ولهذا حَكَمَ عليهم جُمْهُورُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ بالكفرِ والرِّدَّةِ، وأنَّ الواجبَ اسْتِتَابَتُهم، فإنْ تَابُوا وإلاَّ وَجَبَ قَتْلُهم؛ لإلحادِهم وإنكارِهم ما جاءَتْ به الكتبُ السماويَّةُ، وما صَحَّتْ به السنَّةُ.

ولهذا ضَحَّى خالِدُ بنُ عبدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ بجَعْدِ بنِ دِرْهَمٍ يومَ عيدِ الأضحى، قال: أيُّها الناسُ، ضَحُّوا - تَقَبَّلَ اللَّهُ ضحاياكم - فإنِّي مُضَحٍّ بجَعْدِ بنِ دِرْهَمٍ؛ فإنَّه زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لم يَتَّخِذْ إبراهيمَ خليلًا، ولم يُكَلِّمْ موسى تكليمًا. ثم أَمَرَ به بعدَما نَزَلَ , أمَرَ بقتلِه أمامَ الناسِ. فجَزَاهُ اللَّهُ خيرًا على هذا العملِ الطيِّبِ، ولهذا يقولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ:

شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت