الصفحة 77 من 83

هذه الفقرة حقيقة ثابتة لكل ذي بصيرة، فلو نظرنا إلى أعمال القاعدة واهتماماتها، فإنها اشتغلت بالجهاد لإخراج العدو الصائل المحتل لبلاد الإسلام، واشتغلوا بالجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى ينهدم شرك القصور المتمثل في التشريع المخالف لشرع الله والحكم به، وموالاتهم لليهود والنصارى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: [وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم] أ. هـ. المستدرك على فتاوى ابن تيمية (1/ 170) .

وعلى اعتبار أن الجهاد اليوم فرض كفاية -تنزلًا-، فهو من أفضل الأعمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فالجهاد والصبر فيه أفضل الأعمال، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل -وهو أحب الأعمال إلى الله-] مجموع الفتاوى (17/ 26) .

وقال أيضًا: [والجهاد أفضل من الحج والعمرة، كما قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة:22:19] مجموع الفتاوى (35/ 160) .

قال ابن قدامة في المغني (10/ 362) : [مسألة: قال: قال أبو عبد الله: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد: روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه، قال الأثرم: قال أحمد: لا نعلم شيئًا من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله، وذكر له أمر العدو فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه. وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم] أ. هـ.

وإن من مداخل إبليس على بعضهم اليوم أن شغلهم بالمفضول عن الفاضل، وبالمستحب عن الواجب، وهذا من طرق إبليس في استدراج العباد، وقد بين ذلك ابن القيم -رحمه الله- فقال: [العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح؛ ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له] مدارج السالكين (1/ 225) .

فترى بعضهم ينشغل ببعض الأعمال الخيرية عمّا هو أوجب واجبات الدين بعد الإيمان بالله وهو الجهاد، فهو يرى نفسه على خير -ولا شك أنه على خير- لكن شغل بهذا الخير عن أفضل وأوجب منه، كالذي يشتغل بالعلم الكفائي ويترك الواجب العيني عليه من الجهاد.

أما القاعدة فهي -بفضل الله- مهتمة بالأهم فالمهم، وبالواجبات على قدرها في الكتاب والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت