وأثبت الإدراك قوم واكتفى ... بالعلم نافيه وبعض وقفا
وفي القاموس زبانا العقوب: بالضم قرناها. انتهى. والقول الثالث: إنهما عين العلم لا قدر زائد عليه، فإن انكشفت بهذه الصفات خفايا الأمور سمّيت علما، وإن انكشفت بها الظواهر فلك تسميتها علما أو سمعا أو بصرا، ولا يصح الدليل العقلي على هذا أيضا.
وأما صفة الكلام الإلهي فلا يلزم من انتفائها عنه تعالى ثبوت البكم؛ لأن البكم هو عدم الكلام اللفظي المستحيل عليه سبحانه وتعالى لا عدم الكلام النفسي الثابت له تعالى الذي ليس بحروف ولا أصوات فلا يتم الدليل العقلي في ثبوته أيضا، كما أن الصم هو نقيض السمع المخلوق الذي هو بقوة عرضية وصماخ وأذن والعمى نقيض البصر المخلوق الذي هو قوة عرضية وحدقة وعين وذلك كله محال في حق الله تعالى ولهذا كان الدليل السمعي في إثبات هذه الصفات الثلاثة أتم وأكمل من الدليل العقلي لعدم النزاع فيه بين المؤمنين. وإنما يذكر الدليل العقلي تأييدا له وتأكيدا بعده (بعكس) الدليل العقلي المذكور في ثبوت (وحدانية) لله تعالى وبرهان التمانع (كما مضى) في النظم بطريق الإشارة غليه وسبق تقريره فإنه قوي لا يرد عليه شيء ولا فيه كلام للعقلاء ولا بحث.
(وأثبت) صفة (الإدراك) لله تعالى (قوم) من المتكلمين أي: كونه تعالى يدرك المشمومات والمذوقات والملموسات بصفة زائدة على العلم (واكتفى بالعلم نافية) أي: الإدراك (وبعض) من العلماء (وقفا) بألف الإطلاق، أي: لم يثبته ولم ينفه. والحاصل أن للعلماء في ذلك ثلاث أقوال: الاتصاف وعدمه والوقف.
أما الاتصاف فقد ذهب إليه القاضي الباقلاني وإمام الحرمين ومن وافقهما، قال اللقاني رحمه الله تعالى في شرح الجوهرة: يجب أن يثبت له تعالى صفة أزلية قائمة بذاته تعالى زائدة على صفة العلم والسمع والبصر اسمها الإدراك متعلقة بالملموسات والمشمومات والمذوقات من غير اتصال بها ولا تكيف بكيفياتها وهي كمالات وكل حي قابل لها، فإذا لم يتصف بها اتصف بها اتصف بأضدادها وأضدادها نقص لأن معها فوت كمال والنقص في حقه تعالى محال فوجب أن يتصف بها زائدة على علمه تعالى.
وأما عجم الاتصاف بها فقد ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وجمع من الأئمة وجعلوا الإحاطة بمتعلقاتها داخلا في علمه تعالى، ولا يلزم من كونه صفة كمال في الشاهد أن تكون في الغائب كذلك.