ونقيضها وهو أن ينتقل الخالق ويحل في بطن امرأة .. إلخ فما أعجب هذه القداسة! وأعجب منها أن يدعو أهلها إليها المسلمين الذين يقولون: إن الله تعالى قدوس بذاته من الأزل قبل أن يخلق النصارى والمسيح وكل البشر، وأن هذا الوصف واجب له لا يمكن انتفاؤه ولوكفر جميع البشر به لأن ما كان بالذات لا يزول إلا بزوال الذات، وأنه لا يتوقف على فداء ولا غيره، وإلا كان أمرًا اعتباريًّا لا ذاتيًّا. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (1) .
وقد بين الشيخ رشيد أنهم وقعوا فيما فروا منه, حيث فروا من القول بعدم رضى الله بالمعاصي, ووقعوا في إباحة جميع المعاصي, وحللوا لأنفسهم سائر الآثام, وذلك لأن الإيمان بعقيدة الفداء يحلل لمعتقدها جميع المعاصي, لإيمانه بأنه قد فدي من العذاب بصلب المسيح عليه السلام, وفي ذلك يقول الشيخ رشيد رضا: (في هذا من التناقض نحو ما في سابقه لأنهم يزعمون أن من يؤمن بهذا الفداء لا يؤاخذه الله بذنب وهذا هو عين الرضى بالمعاصي والشرور لأنه إباحة لها. أليس من العجائب أن يتصدى من يقول: إن الله لا يكون قدوسًا كارهًا للمعاصي إلا إذا أباحها إلى دعوة المسلمين لعقيدته وهم الذين يعتقدون أن من تقديس الباري وتنزيهه وعدم رضاه بالمعاصي أن جعل لكل معصية جزاء وعقوبة ليعتبروا ويتربوا بالنظر في تأثير أعمالهم في أنفسهم وفى الكون لأنه تفضل عليهم بالإرادة والعقل والاختيار في أعمالهم! فهل بعد هذا التقديس والتنزيه من تقديس وتنزيه؟) (2) .
يقول الحسن بن أيوب: (ووجدناكم تذكرون أن المسيح نزل من السماء فأبطل بنزوله الموت والآثام فإن العجب ليطول من هذا القول وأعجب منه من قبله ولم يتفكر فيه وممن لم يستقبح أن يعتقد ديانة لله تبارك وتعالى على مثل هذا القول المحال البائن عما تشهد به العقول وتنبىء به المشاهدة ويدعو الناس إليها فما هو ببعيد من عقد ما هو أمحل وأبطل منها لأنه إن كانت الخطيئة بطلت بمجيئه فالذين قتلوه إذا ليسوا خاطئين ولا مأثومين لأن لا خاطىء بعد مجيئه ولا خطيئة وكذلك أيضا الذين قتلوا حواريه وأحرقوا أسفاره غير خاطئين وكذلك من نراه
(1) مجلة المنار 7/ 456 - 457.
(2) مجلة المنار 7/ 455.