فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 2876

التأليف

أديب اللجمي-شحادة الخوري

البشير بن سلامة-عبد اللطيف عب

نبيلة الرزاز

المراجعة والتنسيق

أديب اللجمي-نبيلة الرزاز

بقلم الأستاذ الدكتور محيي الدين صابر

المدير العام الأسبق للمنظمة العربية

للتربية والثقافة والعلوم

إن من الظواهر الإيجابيّة البنّاءة، في سياق السّعْي الثقافيّ العربيّ الواعد، ما نشهده من نشاط غنيّ نافع، يتجلى في الدراسات اللغويّة والموسوعيّة، وفي إصدار معاجم لغوية عربية - عربية، وأخرى ثنائية اللغة، عربية - أجنبية، وثالثة متخصِّصة في أحد ميادين المعرفة العلمية والفنيّة والتّقنيّة وسواها.

ومثل هذا النشاط هو، من ناحية، مواصلة لتقليد أصيل في العمل الفكري العربي. إِذ عُني العربُ، منذ البداية، بِلُغَتهم، وخصُّوها بخدمات لم تنلها أية لغة أخرى. فهي، إلى جانب عراقتها وإيغالها في القِدم، تتمتع بحيوية متجددة، وترتبط ارتباطًا عضويًا بالطبيعة والحياة. وهي، إلى هذا وذاك، لغة الإسلام، كرّمها الله فأنزل بها كتابه الحكيم، وجعلها اللغةَ الروحية للمسلمين كافة، بها يؤدُّون عباداتهم، وبها يَقرؤون القرآن في صلواتهم.

وانطلق أهلُ هذه اللغة من العرب، والناطقون بها من غير العرب، يعملون في وضع الضوابط لها، خشية من تفشّي اللّحن فيها، فجمعوا مفرداتها وتعابيرها من ألسنة البدو، وجمعوا الشعر من رُواته، وأنشأوا علوم النحو والصرف والبلاغة والعروض ومصطلح الحديث والقراءات والتفسير.

وكان النشاط المعجميُّ أحد تلك المجالات التي بدأ العرب السّعْيَ فيها مبكِّرًا. فسار عملهم اللّغويُّ المعجميُّ في مراحل عدّة، منها جمع المفردات النوعية في موضوع واحد، مثل كتب الأصمعي في النّخل والخيْل، ومنها وضع المعجم على نمط خاصٌّ في الترتيب ليرجع إليه من أراد البحث عن الكلمات ومعانيها. ويسود الاعتقاد لدى الباحثين أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) كان أوّل من وضع معجمًا لغويًا عربيًا سمّاه (كتاب العيْن) فأرْسَى بذلك منهج التأليف المعجمّي. ثم قام بعده من وضعوا المعاجم المتنوعة، منها معجم (الحروف) لأبي عمرو الشيباني (ت 206 هـ) ومعجم (الألفاظ) لابن السكِّيت (ت 244 هـ) و (الجمهرة) لابن دريد (ت 321 هـ) و (البارع) لأبي علي القالي (ت 356 هـ) و (تهذيب اللغة) للأزهري (ت 370 هـ) و (مقاييس اللّغة) و (المُجمل) لابن فارس (ت 395 هـ) و (الصّحاح) للجوهريُّ (ت 400 هـ) و (المُحكم) و (المخصّص) لابن سيده (ت 458 هـ) و (لسان العرب) لابن منظور (ت 711 هـ) و (القاموس المحيط) للفيروز آبادي (ت 817 هـ) و (تاج العروس) للزّبيدي (ت 1205 هـ) .

ولكنّ استمرار النشاط المعجمي ومتابعته تجويدًا وتجديدًا، من ناحية أخرى، يرجعان إلى التطور الحضاريّ والثقافي المعاصر، في عصر ثورة المعلومات والاتصال، والطفرات العلمية والثقافية. إذ ليس أمام العرب - شأنُهم في ذلك شأنُ الشعوب الأخرى - فرصةٌ للمعاصرة الحضارية والتواصل الثقافي، إلا بتوطين العلم والثقافة في أبعادهما المتنامية. ولا يمكن لمثْل هذا أن يتمَّ إلا بتطوير اللغة العربية وإغنائها بالمفردات الجديدة تعبيرًا عن المفاهيم الجديدة المُبدَعة. إن الإبداع الفكري والثقافي والعلمي لا ينتمي إلى جنسية المُبدعين بقدر ما ينتمي إلى اللغة التي تحتضن هذا الإبداع.

هكذا اتّسع النشاط المعجميّ، بمختلف أشكاله، في اللغة العربية، في عصرنا الحاضر. اتّسع في مستوى فردي، بجهود علماء ولغويِّين ومتخصّصين؛ وعلى مستوى المؤسسات في الأقطار العربية، مثل مجامع اللغة، ومراكز البحوث، والهيئات العلمية، والجامعات؛ وعلى مستوى قومي، مثل المنظمات العربية المتخصّصة، والاتحادات المهنية العربية.

ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال، ما قامت وتقوم به المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وأجهزتها المتخصصة وبخاصة مكتب تنسيق التعريب، إذ أصدر أربعة وثلاثين معجمًا متخصّصًا، وهي معاجم ثلاثية اللغة: العربية والإنجليزية والفرنسية، تضم حوالي نصف مليون مصطلح علمي في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية والفنون والتقانة، وهي مصطلحات يتمّ توحيدها وإقرارها في مؤتمرات التعريب الدّورية التي تدعو إليها المنظمة العربية ويشارك فيها ممثلون عن الدول الأعضاء والخبراءُ المختصون في موضوعات المعاجم.

إن اللغات تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوَّتهم. وقد كانت اللغة العربية، منذ قرون قليلة، هي لغة العلم في العالم آنذاك. وكان تعلّم اللغة العربية ضرورةًّ لكل مثقّفي أوروبا نفسها.

واليوم تقف اللغة العربية واحدة من ستِّ لغات عالمية معترف بها كلغة رسمية ولغة عمل في هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية المتخصصة، وكذلك في منظمة الوحدة الأفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. إضافة إلى أن معظم الجامعات العالمية المعروفة تُفرد قسمًا خاصًا للغة العربية وآدابها. وما الإقبال على تعلم اللغة العربية بين الأوروبيين والأمريكيين والآسيويين والأفريقييِن إلا دليل على أهميتها وحيويتها وعالميّتها، وما تمثّله من قيم حضارية كبيرة.

في إطار الجهد العربي الهادف إلى خدمة اللغة العربية قوميًا وعالميًا، وإلى جعلها تواكب التطور الحضاريُّ، وتعاصره، وتوطّن العلمَ والتقانة في أبعادهما الحديثة، يسعدني أن أقدِّم إلى الناطقين بالعربية، وإلى معلّميها ودارسيها في الوطن العربي وخارجه، هذا المعجمَ العربي المحيط، وأن أُشيد بالجهد المتميِّز لمؤلِّفيه، وهم من أعلام الفكر والأدب في الوطن العربي. فقد بحثوا وألّفوا ونشروا العديد من المؤلفات والدراسات، ونهضوا بمسؤوليات ثقافية وتربويَّة رفيعة في أقطارهم، وأسهموا، وما يزالون، بقدرة وخبرة كبيرتين، في أنشطة عدد من المنظمات الثقافية العربية، وفي بعض مشروعات منظمة اليونسكو، وفي العديد من اللقاءات الثقافية العالمية التي تعالج جوانب من الثقافة العربية في أصالتها وتواصلها وحوارها مع الثقافات الأخرى.

وقد عملوا، بدأب جادّ ملتزم، على وضع هذا المعجم العربيّ، وخصّوه بمزايا عديدة أضفتْ عليه خصوصية بين مثيلاته من المعاجم، منها ترتيبُ مفرداته ترتيبًا ألفبائيًا، ومنها تيسير الرجوع مباشرةً إلى الكلمة المراد معرفة معناها، ومنها احتواؤه على حوالي أربعين ألف مفردة، كل منها مشروحة بأسلوب واضح، مرفوقة باستشهاد من آيات القرآن الكريم، قمّة الفصاحة العربية، أو من الأحاديث النبوية الشريفة، ومن النماذج الرفيعة من الأدب العربي، شعرًا ونثرًا، ومن شوارد الحكم والأمثال التي تتضمن خبرة الأمة العربية وحكمتها، وقيمها العالية في الحياة؛ هذا إلى إمتاع القارئ وزيادة معارفه بالصور الملونة الرائعة التي حواها المعجم، وإلى جودة طباعته وإخراجه.

إن هذا السّفر الجليل، في أجزائه، يمثل أحدث ما اتّسعت له اللغة العربية من خبرات ومعارف في شؤون الحياة المعاصرة، وأدق ما استنبطه الباحثون في مجال تأليف المعاجم. وهو، بحقّ، إضافة قيِّمة في ميدان العمل المعجميّ العربيّ، يسدّ حاجة قائمة عند جماهير القراء من أهل اللغة، أو الناطقين بها، أومتعلميها.

وإنه من همّي هنا أن أهنّئ الزملاء من الأساتذة الأجلاء، الذين نفّذوا هذا العمل القومي العلمي البصير، على ما وُفِّقوا إليه من إنجاز فكريّ ولغويّ، تنتفع به الأجيال بعد الأجيال، وأن أهنئَ دار النشر (المحيط) لنهوضها بنشره والعناية به راجيًا لها النجاح والازدهار المستحقّيْن.

والله نسأل أن يدلّنا على الخير، ويعيننا على فعله.

القاهرة - آذار (مارس) 1993

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت