الذي هو المرقاة إلى معرفة ذلك عادة، وذلك بفضل الممارسة الطويلة والدأب على البحث والنظر في هذا العلم الشريف، بل قال الأئمة من أهل هذا الفن: من لم يعرف صحيح الحديث من سقيمه قبل أن ينظر في سنده فلا يطلب
الحديث (1) ، لأن الحكم بذلك يدل على الاعتناء بالفن والإقبال عليه وذلك يدل على حصول المرغوب، أما التوقف على الإسناد في كل جزئية فيدل على العجز وعدم بلوغ الغاية المطلوبة في هذا العلم وعدم حصول النظر الثاقب الذي يحتاج إليه صاحب هذا العلم دون سائر العلوم (2) ، لأنه في كل زمان يضع الكذابون والوضاعون من ملل مختلفة ونحل متفرقة أحاديث على حسب هواهم وأغراضهم، ومنهم من يضع لها إسنادًا صحيحًا ويُرَكِّب لها طريقًا مرويًا عن الثقات، فإذا لم يكن المحدِّث ذكيًا ثاقب النظر قد اختلط الحديث بدمه ولحمه وامتزج بروحه وجسمه فربما تروج عليه تلك الأحاديث في أول الأمر لأجل ذلك السند المزوَّر المصنوع الذي ركبه لها الكذابون، ولا يعرف حقيقة أمرها إلا بعد المراجعة والبحث والنظر،
(1) لقد حكم كثير من الحفاظ على أحاديث بالبطلان وأنها لا تصح قبل أن ينظروا في سندها وعلى ذلك أمثلة كثيرة، ومن ذلك قول الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/ 210) : [ (( لا طلاق إلا بعد نكاح ) )وإسناده ثقات أخرجه بن عدي عن ابن صاعد، قال ابن صاعد: غريب لا أعرف له علة، قلت: وقد بين ابن عدي علته] .
(2) وأول ما حدث في هذا الأمة نقد المتن قبل نقد الأسانيد، فكم ردَّت السيدة عائشة رضي الله عنها أحاديث على ابن عمر وأبي هريرة كما بيَّن ذلك الزركشي في كتاب
(( الإجابة في استدراك السيدة عائشة على الصحابة ) )وهذا باب مهم ومعروف ومشهور.