وهُمَا اللَّذَانِ صَنَّفَا أَعَلى المُصَنّفاتِ وأَغْلَاهَا فِي الأخبَارِ وَالأنسَابِ ، وَدَرَجَ الأخباريون مِن بعدِهما على طَرِيقَتِهِمَا وعلى مَنْهَجِهِمَا في تَرْتِيبِ الأنْسَابِ وَسَردِ أَخْبَارِ الأَفْرَادِ وَالجمَاعَاتِ والقَبَائِلِ ، وَكانتْ مَدرَسَتُهمَا مَدْرَسَةُ المَدَارِسِ ، إذْ هِي التِي أَنْعَشَتْ الذِّمَمَ ، وَأَيْقَظَتْ الهِمَمَ ، فَلهَا الرِّيَادَة والتَّقدم ، وكأنها إنما قصدتْ بِأعمَالها خِدْمَةَ الدِّيوَانَ الذي أسِّسَ في العَهْدِ الرَّاشِديّ ؛ فَنَظَّمَ الدَّولَةَ ، وَقَنَّنَ تَرَاتِيبَهَا . إذْ كان الأخْبَاريونَ مِن أتباعِ المدرسةِ الكَلْبِيَّةِ قد اقتدوا بِالدِّيوان الذي أُسِّسَ في عَهْدِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ وَجَعَلوا مُصَنَّفَاتِهمْ مُعِينَة له ، وَهُو أي الدِّيوانُ كان هو الذي نَبَّه الأفرادَ والقبائِل للالتِفَاتِ إلى الذَّاتِ وَالاعتِنَاءِ بِالتَّنظِيمِ وَالتَّرتِيبِ وَإلقَاءِ السَّمْع لِلأَخبَارِ المُفِيدَةِ النَّافِعَةِ وَبَثَّ في الشُّعوبِ العَصَبِيَّةَ الحَمِيدَة .. بَيْدَ أنَّ كُلّ ذَلكَ قَدْ أُبدِلَ بِالسَّيّءِ بلْ وَبِالأَسْوَإ بَعدَ العَصْرِ الرَّاشِدِيّ ، فجَالسَ العُظَماءُ أرَاذِلَ النَّاسِ ، وغُذِّيتْ العَصَبِيَّاتُ الخبيثةِ ، وحُرِّضَ الشُّعَرَاءُ على بَعْضِهِمُ البَعْضَ ، فَطَعَنُوا في الأَنْسَابِ ، وَاخْتَلَقُوا الأَقَاصِيْصَ ، وَتَحَمَّسَ العَوَامُ وَتَحَزَّبُوا ، وَتَلَقَّفُوا الأَخبَارَ السَّخِيفَةِ ، وَالتَفَتَ النَّاسُ إلى الفُكَاهَاتِ وَالمُضْحِكَاتِ ، وَتَكَلَّفُوا قَصَّهَا في مَجَالِسِهِم وَدَوَّنُوهَا في مُصَنَّفَاتِهمْ ، وَرُبَّما أَوْرَدُوا الشَّرْعِياتِ مَوْرِدَ المُزُوحَاتِ وَالفُكَاهَاتِ .