معبرو الرؤى وصفاتهم:
ويضيف ابن خلدون: ولم يزل هذا العلم متناقلًا بين السلف. وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء، وكتبت عنه في ذلك قوانين، وتناقلها الناس لهذا العهد، وألف الكرماني فيه من بعده، ثم ألف المتكلمون المتأخرون وأكثروا.
وفعلًا ... فقد أثر عن ابن سيرين رحمه الله إمام هذا العلم وعلَمُه الشيء الكثير من تعبير المنام.
ومن ذلك أنه دخل عليه رجل وهو بين تلاميذه، فقال: إني رأيت نفسي أُأَذِّنُ. فقال له ابن سيرين: تحج هذا العام إن شاء الله، وقبل أن ينفض المجلس دخل عليه رجل آخر فقال له: إني رأيت نفسي في المنام أأذن. فتفحصه مليًا ثم قال لمن حوله: أمسكو به هذا لص. فتعجبوا من ذلك وزاد عجبهم بعدما أقر الرجل بأنه سرق. ولكن ابن سيرين أزال عجبهم بقوله: أما الأول فيناسبه قوله سبحانه: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر} وأما الآخر فيناسبه قوله تعالى {فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} .
ولما تكلم الشيخ النابلسي عن المعبر وصفته قال: وينبغي للمعبر إذا قصت عليه الرؤيا أن يقول: خيرًا رأيت، َ وخيرًا نلقاه، وشرًا نتوقاه. خير لنا وشر لأعدائنا. الحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك. وأن يكتم على الناس عوراتهم، ويسمعَ السؤال بأجمعه، ويميزَ بين الشريف والوضيع، ويتمهلَ ولا يعجل في رد الجواب، ولا يعبر الرؤيا حتى يعرف لمن هي، ويميز كل جنس وما يليق به.
وليكن العابر عالمًا فطنًا ذكيًا تقيًا نقيًا من الفواحش، عالمًا بكتاب الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولغة العرب وأمثالها، وما يجري على ألسنة الناس.
ولا يعبر الرؤيا في وقت الاضطرار، وهي ثلاثة: طلوع الشمس، وغروبها، وعند الزوال ... إلى آخر ما قال رحمه الله ..
وقبل أن نختم الحديث باستعراض أهم مؤلفات هذا العلم ـ علم تعبير الرؤيا ـ نلفت الأنظار إلى أن الاهتمام بالرؤيا أصبح اليوم جزءًا من علم النفس على النسق الغربي، مما فتح المجال أمام آراء غريبة كل الغرابة عن طبيعة هذا الموضوع من حيثيات عديدة.
كتب علم تعبير الرؤيا:
وأشهر الكتب في هذا المجال (تعطير الأنام في تعبير المنام) للشيخ عبد الغني النابلسي، وله أيضًا أرجوزة (العبير في التعبير) ، وكتاب (التعبير المنيف والتأويل الشريف) لمحمد بن قطب الدين الرومي الأزنيقي، و (تعبير ابن المقري) و (كتاب ابن أبي طالب القيرواني الممتّع) ، و (كتاب التعبير) لأبي سعيد الواعظ و (كتاب الإشارات في علم العبارات) لخليل بن شاهين الظاهري.