بِخَصَائِصِهَا وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُجَرَّدَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَأَنَّ النَّاسَ إذَا تَكَلَّمُوا فِي التَّفَاضُلِ وَالِاخْتِلَافِ فَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي تَفَاضُلِ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ وَاخْتِلَافِهَا لَا فِي تَفَاضُلِ أَمْرٍ مُطْلَقٍ مُجَرَّدٍ فِي الذِّهْنِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّوَادَ مُخْتَلِفٌ فَبَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الْبَيَاضُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَلْوَانِ . وَأَمَّا إذَا قَدَّرْنَا السَّوَادَ الْمُجَرَّدَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ فَهَذَا لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَاضُلَ لَكِنَّ هَذَا هُوَ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . وَمِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْخَائِضِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ حَيْثُ أَنْكَرُوا تَفَاضُلَ الْعَقْلِ أَوْ الْإِيجَابِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَإِنْكَارُ التَّفَاضُلِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَمْثَالِهِمَا لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ البربهاري وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ . وَكَذَلِكَ وَقَعَ نَظِيرُ هَذَا لِأَهْلِ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ وَلِمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالِاتِّحَادِ فِي تَوْحِيدِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَوَحْدَتِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ الْأَمْرُ إلَى مَا يَسْتَلْزِمُ التَّعْطِيلَ الْمَحْضَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَأَهْلُ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِ مُضْطَرِبُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَقُولُ أَحَدُهُمْ الْقَوْلَ وَيَقُولُ نَقِيضَهُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ فَنَقُولُ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ - الْكَلَامُ فِي"طَرَفَيْنِ". ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ هَلْ هِيَ مُتَلَازِمَةٌ فِي الِانْتِفَاءِ ؟ ؟ وَ ( الثَّانِي ) : هَلْ هِيَ مُتَلَازِمَةٌ فِي الثُّبُوتِ ؟ ؟ أَمَّا"الْأَوَّلُ"فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ الْجَامِعَةَ لِأُمُورِ - سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ الْأَعْرَاضِ - إذَا زَالَ بَعْضُ تِلْكَ الْأُمُورِ فَقَدْ يَزُولُ سَائِرُهَا وَقَدْ لَا يَزُولُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمُجْتَمِعَةِ زَوَالُ سَائِرِهَا وَسَوَاءٌ سُمِّيَتْ مُرَكَّبَةً أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ زَوَالُ سَائِرِهَا .