ابْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا كُفْرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْوَالِ الجهمية ؛ وَقَالُوا: إنَّ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ وَأَبَا طَالِبٍ وَالْيَهُودَ وَأَمْثَالَهُمْ ؛ عُرِفُوا بِقُلُوبِهِمْ وَجَحَدُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ ؛ فَقَدْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ . وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } . وَقَوْلُهُ: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } وَقَوْلُهُ: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } وَقَالُوا: إبْلِيسٌ لَمْ يُكَذِّبْ خَبَرًا وَلَمْ يَجْحَدْ فَإِنَّ اللَّهَ
أَمَرَهُ بِلَا رَسُولٍ وَلَكِنْ عَصَى وَاسْتَكْبَرَ ؛ وَكَانَ كَافِرًا مِنْ غَيْرِ تَكْذِيبٍ فِي الْبَاطِنِ وَتَحْقِيقُ هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَحَدَثَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ قَوْلُ"الكرامية"؛ إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلُ اللِّسَانِ دُونَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ وَيُخَلَّدُ فِي النَّارِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصالحي: إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ لَكِنْ لَهُ لَوَازِمُ فَإِذَا ذَهَبَتْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَإِنَّ كُلَّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ظَاهِرٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ وَلَيْسَ الْكُفْرُ إلَّا تِلْكَ الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ وَلَيْسَ الْإِيمَانُ إلَّا مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالْمَعْرِفَةِ وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَمْثَالِهِمَا وَلِهَذَا عَدَّهُمْ أَهْلُ الْمَقَالَاتِ مِنْ"الْمُرْجِئَةِ"وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْهُ كَقَوْلِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ: إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ . وَالْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ عِنْدَهُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَافَاةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُ يَعُودُ إلَى ذَلِكَ ؛ لَا إلَى الْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ وَالْحَالِ . وَقَدْ مَنَعَ أَنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي"كِتَابِ الْمَقَالَاتِ". وَقَالَ إنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ .