وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ هِيَ اللَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأُولَئِكَ أَكْفَرُ مِنْ حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أَوْ جَحَدُوهُ ؛ وَهَؤُلَاءِ أَوْسَعُ ضَلَالًا مِنْ حَيْثُ جَوَّزُوا عِبَادَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَزَعَمُوا أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَأَنَّ الْعَابِدَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا قَصَدُوا عِبَادَةَ اللَّهِ . وَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا مُشْرِكِينَ كَمَا وُصِفُوا بِذَلِكَ . وَفِرْعَوْنُ مُوسَى هُوَ الَّذِي جَحَدَ الصَّانِعَ وَكَانَ يَعْبُدُ الْآلِهَةَ وَلَمْ يَصِفْهُ اللَّهُ بِالشِّرْكِ . فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ أَوْ تَزِيدُ مَحَبَّتُهُمْ لَهُمْ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ ؛ وَلِهَذَا: يَشْتُمُونَ اللَّهَ إذَا شُتِمَتْ آلِهَتَهُمْ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } . فَقَوْمُ فِرْعَوْنَ قَدْ يَكُونُونَ أَعْرَضُوا عَنْ اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ بِهِ وَاسْتَجَابُوا لِفِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } و { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي } . وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَهُمْ الْمُؤْمِنُ ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: { تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } فَذَكَرَ الْكُفْرَ بِهِ الَّذِي قَدْ يَتَنَاوَلُ جُحُودَهُ وَذَكَرَ الْإِشْرَاكَ بِهِ أَيْضًا ؛ فَكَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاوِلًا لِلْمَقَالَتَيْنِ وَالْحَالَيْنِ جَمِيعًا . فَقَدْ تَبَيَّنَ: أَنَّ الْمُسْتَكْبِرَ يَصِيرُ مُشْرِكًا إمَّا بِعِبَادَةِ
آلِهَةٍ أُخْرَى مَعَ اسْتِكْبَارِهِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ لَكِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا شِرْكًا نَظِيرُ مَنْ امْتَنَعَ مَعَ اسْتِكْبَارِهِ عَنْ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } { وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } فَهَؤُلَاءِ مُسْتَكْبِرُونَ مُشْرِكُونَ ؛ وَإِنَّمَا اسْتِكْبَارُهُمْ عَنْ إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ فَالْمُسْتَكْبِرُ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِاَللَّهِ فِي الظَّاهِرِ كَفِرْعَوْنَ أَعْظَمُ كَفْرًا مِنْهُمْ وَإِبْلِيسَ الَّذِي يَأْمُرُ بِهَذَا كُلِّهِ وَيُحِبُّهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُودِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ أَيْضًا عَالِمًا بِوُجُودِ اللَّهِ . وَإِذَا كَانَتْ الْبِدَعُ وَالْمَعَاصِي شُعْبَةً مِنْ الْكُفْرِ وَكَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ شُعَبِهِ . كَمَا أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُشْتَقَّةٌ مِنْهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَقَّ وَلَا يَتَّبِعُهُ غَاوٍ يُشْبِهُ الْيَهُودَ ؛ وَأَنَّ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَشَرْعٍ: هُوَ ضَالٌّ يُشْبِهُ النَّصَارَى ؛