صفحة رقم: 005
*. وأبتدئ فأقول أنّ أقرب الأسباب المؤدّية الى ما سئلت عنه، هو معرفة أخبار الأمم السالفة، وأنباء القرون الماضية؛ لأنّ أكثرها أحوال مأثورة 1 عنهم، ورسوم باقية من رسومهم ونواميسهم؛ ولا سبيل الى التوصّل 2 الى ذلك، من جهة الاستدلال بالمعقولات، والقياس بما يشاهد من المحسوسات، سوى التقليد لأهل الكتب والملل، وأصحاب الآراء والنّحل، المستعملين لذلك وتصيير ما هم فيه أسّا يبنى عليه بعده. ثمّ قياس أقاويلهم وآرائهم في اثبات ذلك بعضها ببعض، بعد تنزيه النفس عن العوارض المردئة لأكثر الخلق، والأسباب المعمية لصاحبها عن الحقّ؛ وهى كالعادة المألوفة والتعصّب والتظافر واتّباع الهوى والتغالب بالرئاسة وأشباه ذلك.
*. فإنّ الذى ذكرته أولى السبل 3، تسلك بأن تؤدّى إلى حاقّ الغرض 4 المقصود، وأقوى معين على إزالة ما يشوبه من شوائب الشّبه والشّكوك؛ وبغير ذلك لا يتأتّى لنا نيل المطلوب، ولو بعد العناء الشديد والجهد الجهيد. على أنّ الأصل الذى أصّلته والطريق الذى مهّدته ليس بقريب المأخذ، بل كأنّه من بعده وصعوبته يشبه أن يكون غير موصول اليه، لكثرة الأباطيل التى تدخل جمل الأخبار والاحاديث؛ وليست كلّها داخلة في حدّ الامتناع، فتميّز وتهذّب لكنّ ما كان منها في حدّ الإمكان، جرى مجرى الخبر الحقّ؛ اذا لم يشهد ببطلانه شواهد أخر، بل قد يشاهد وشوهد من الأحوال الطّبيعيّة، ما لو حكى مثلها عن زمان بعيد عهدنا به، لثبّتنا الحكم على امتناعها؛ وعمر الانسان لا يفى بعلم أخبار أمّة واحدة من الأمم الكثيرة علما ثاقبا، فكيف يفى بعلم أخبار جميعها، هذا غير ممكن.
*. وإذ كان الأمر جاريا على هذا السبيل، فالواجب علينا أن نأخذ الأقرب من ذلك، فالأقرب والأشهر فالأشهر؛ ونحصّلها من أربابها ونصلح منها ما يمكننا إصلاحه، ونترك سائرها على وجهها، ليكون ما نعمله من ذلك معينا 5 لطالب الحقّ ومحبّ الحكمة، على التصرّف في غيرها ومرشدا الى نيل ما لم يتهيّأ لنا؛ وقد فعلنا ذلك بمشيّة اللّه وعونه؛ ويجب بحسب ما قصدنا أن نبيّن اوّلا 6 مائيّة اليوم والليلة ومجموعهما، وابتداءه المفروض اذ هما للشهور والسنين و
1). داد / طز: - / تز: صادرة.
2). داد / طز: التوسل.
3). داد / طز: سبيل يسلك بأن يؤدى.
4). داد / طز: - / توپ: حلق العرض.
5). هن: معيّنا.
6). طز: -.