قالَ ابنُ الْجَوْزِيِّ في (العِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ) ، وفي الموضوعاتِ: الحديثُ الذي فيه ضَعْفٌ قريبٌ مُحْتَمَلٌ هو الحديثُ الحسَنُ، ولم يُسَمِّ ابنُ الصلاحِ قائلَ هذا القولِ بل عَزَاهُ لبعضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وأرادَ به ابنُ الْجَوْزِيِّ، واعتَرَضَ ابنُ دقيقِ العيدِ على هذا الْحَدِّ بأنه ليس مَضبوطًا بضابِطٍ يَتَمَيَّزُ به القدْرُ المحتَمَلُ مِن غيرِه.
قالَ: وإذا اضْطَرَبَ هذا الوصْفُ لم يَحْصُل التعريفُ الْمُمَيِّزُ للحقيقةِ. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ بعدَ ذكْرِ هذه الحدودِ الثلاثةِ: كلُّ هذا مُسْتَبْهِمٌ لا يَشْفِي الغَليلَ. قالَ: وليس في كلامِ التِّرْمِذِيِّ والْخَطَّابِيِّ، ما يَفْصِلُ الْحَسَنَ مِن الصحيحِ. انتهى.
وهذا هو المرادُ بقولِه: (وما بِكُلِّ ذا حَدٌّ حَصَلْ) أيْ: وما بِكُلِّ قولٍ مِن الأقوالِ الثلاثةِ حَصَلَ حَدٌّ صحيحٌ للحسَنِ.
(54) وقالَ بانَ لي فيه بإمعانِي النَّظَرْ أنَّ له قسمَيْنِ كلٌّ قد ذَكَرْ
(55) قَسْمًا، وزادَ كونَه ما عُلِّلاَ ولا بِنُكْرٍ أو شُذوذٍ شُمِلاَ
أيْ: وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: وقد أَمْعَنْتُ النظَرَ في ذلك والبحْثَ جامعًا بينَ أطرافِ كلامِهم مُلاَحِظًا مَواقِعَ استعمالِهم فتَنَقَّحَ لي واتَّضَحَ أنَّ الحديثَ الحسَنَ قِسمانِ:
(أحَدُهما) الحديثُ الذي لا يَخْلُو رجالُ إسنادِه مِن مَستورٍ لم تَتَحَقَّقْ أهْلِيَّتُه غيرَ أنه ليس مُغَفَّلًا كثيرَ الْخَطَأِ فيما يَرْوِيهِ, ولا هو مُتَّهَمٌ بالكَذِبِ في الحديثِ أيْ: لم يَظْهَرْ منه تَعَمُّدُ الكذِبِ في الحديثِ، ولا سبَبٌ آخَرُ مُفَسِّقٌ، ويكونُ مَتْنُ الحديثِ مع ذلك قد عُرِفَ بأنْ رُوِيَ مثلُه أو نَحْوُه مِن وجهٍ آخَرَ أو أكثرَ حتى اعْتُضِدَ بمتابَعَةِ مَن تابَعَ راوِيَه على مِثْلِه أو بما له مِن شاهِدٍ وهو وُرُودُ حديثٍ آخَرَ نحوَه، فيَخْرُجُ بذلك عن أنْ يكونَ شاذًّا أو مُنْكَرًا، وكلامُ التِّرمِذِيِّ على هذا القِسْمِ يَتَنَزَّلُ.
(القِسْمُ الثانِي) أنْ يكونَ رَاوِيهِ مِن الْمَشهورينَ بالصدْقِ والأمانةِ غيرَ أنه لا يَبْلُغُ درجةَ رجالِ الصحيحِ لكونِهِ يَقْصُرُ عنه في الحفْظِ والإتقانِ، وهو مع ذلك يَرتفِعُ عن حالِ مَن يَعُدُّ ما يَنْفَرِدُ به مِن حديثِه مُنْكَرًا.
قالَ: ويُعْتَبَرُ في كلِّ هذا مع سلامةِ الحديثِ مِن أنْ يكونَ شاذًّا أو مُنْكَرًا سلامتُه مِن أنْ يكونَ مُعَلَّلًا، وعلى القِسْمِ الثاني يَتَنَزَّلُ كلامُ الْخَطَّابِيِّ، قالَ: فهذا الذي ذَكرناهُ جامِعٌ لِمَا تَفَرَّقَ مِن كلامِ مَن بَلَغَنَا كلامُه في ذلك، قالَ: وكأنَّ التِّرْمِذِيَّ ذَكَرَ أحَدَ نَوْعَي الْحَسَنِ، وذكَرَ الْخَطَّابِيُّ النوْعَ الآخَرَ مُقْتَصِرًا كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشْكِلُ مُعْرِضًا عَمَّا رأى أنه لا يُشْكِلُ أو أنه غَفَلَ عن البعْضِ وذَهَلَ.
وقولُه: (كلٌّ قد ذَكَرْ) أيْ: كلُّ واحِدٍ مِن التِّرْمِذِيِّ والْخَطَّابِيِّ.
وقولُه: (وزادَ) أي ابنُ الصلاحِ، والإمعانُ مصْدَرُ أمْعَنَ مِن قوْلِ الفُقهاءِ في التيَمُّمِ: أَمْعَنَ في الطلَبِ، وكأنَّه مأخوذٌ مِن الإبعادِ في العَدْوِ ففي (التهذيبِ) عن الليثِ بنِ الْمُظَفَّرِ، أمْعَنَ الفَرَسُ وغيرُه إذا تَبَاعَدَ في عَدْوِهِ، وفي الصِّحاحِ: أمْعَنَ الفَرَسُ تَبَاعَدَ في عَدْوِه، ويَحْتَمِلُ أنه مِن أمْعَنَ الماءَ إذا أَجْرَاهُ، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك وقد بَيَّنْتُه في (الشرْحِ الكبيرِ) .
(56) والفُقهاءُ كلُّهم يَستعمِلُهْ والعلماءُ الْجُلُّ منهم يَقبَلُهْ
(57) وَهْوَ بأقسامِ الصحيحِ ملْحَقُ حُجِّيَّةً وإنْ يكنْ لا يُلْحَقُ
البيتُ الأَوَّلُ مأخوذٌ مِن كلامِ الْخَطَّابِيِّ، وقد تَقَدَّمَ نقْلُه عنه إلاَّ أنه قالَ: عامَّةُ الفُقهاءِ. وعامَّةُ الشيءِ تُطْلَقُ بإزاءِ مُعْظَمِ الشيءِ وبإزاءِ جَميعِه، والظاهِرُ أنَّ الْخَطَّابِيَّ أرادَ الكلَّ ولو أرادَ الأَكْثَرَ لَمَا فَرَّقَ بينَ العُلماءِ والفُقهاءِ.
وقولُه: (حُجِّيَّةً) نُصِبَ على التمييزِ، أي: الحسَنُ ملْحَقٌ بأقسامِ الصحيحِ في الاحتجاجِ به وإنْ يكنْ دُونَه في الرُّتْبَةِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: الحسَنُ يَتقاصَرُ عن الصحيحِ، قالَ: ومِن أهْلِ الحديثِ مَن لا يُفْرِدُ نَوْعَ الحسَنِ، ويَجعلُه مُنْدَرِجًا في أنواعِ الصحيحِ لاندراجِه في أنواعِ ما يُحْتَجُّ به.