ليستْ مُتلَقَّاةً عن الصحابةِ، فإذا قامَ الدليلُ على أنها مُتَلَقَّاةٌ عن الصحابةِ، والصحابةُ هم الذين تَلَقَّوا التفسيرَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، كانت حُجَّةً على مَن بعدَهم.
يقولُ: وهذا صحيحٌ، أما إذا أَجْمَعُوا على الشيءِ فلا يُرتابُ في كونِه حُجَّةً، إذا اتَّفَقَت أقوالُ التابعينَ على قولٍ في معنى آيةٍ مِن القرآنِ فإنها تكونُ حُجَّةً؛ وذلك أنَّ اتِّفَاقَهم دليلٌ على أنهم تَلَقَّوْا ذلك عن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، ثم قد تكونُ أقوالُهم ظَنِّيَّةً لا يُحْتَجُّ بها ولو كَثُرَتْ، ويُمَثِّلُونَ بقِصَّةِ الغَرانيقِ التي ذَكَرَها المفسِّرونَ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى في سورةِ الْحَجِّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} قِصَّةُ الغرانيقِ مشهورةٌ، ولكنَّ رواياتِها كلَّها مُرْسَلَةٌ، ليس فيها حديثٌ مرفوعٌ مُتَحَقِّقٌ أنه مرفوعٌ، فلا يُحْتَجُّ بها، ولذلك رَدَّها كثيرٌ مِن المحقِّقِينَ، ولو أنَّ بعضَ الْمُفَسِّرِينَ كابنِ جريرٍ أَقَرُّوها لكثرةِ مَن رواها مِن التابعينَ، فالصحيحُ أنها ليستْ حُجَّةً؛ وما ذاك إلا أنه لا يُحْتَجُّ إلا بما ثَبَتَ الدليلُ به قَطْعِيًّا. والأمثلةُ كثيرةٌ.
يقولُ: ويُرْجَعُ في ذلك إلى لغةِ القرآنِ أو السنَّةِ أو عمومِ لغةِ العربِ أو أقوالِ الصحابةِ في ذلك. يعني: إذا اخْتَلَفَ التابعونَ فما الْمُرَجِّحُ في ذلك؟ إما لغةُ العربِ، أو لغةُ القرآنِ - يعني: بيانَ القرآنِ، أو بيانَ السنَّةِ - أو عمومُ لغةِ العربِ، أو أقوالُ الصحابةِ.
بعدَ ذلك ذَكَرَ التفسيرَ بمجَرَّدِ الرأيِ. ما حُكْمُ تفسيرِ القرآنِ بمجَرَّدِ الرأيِ؟ يقولُ: حرامٌ، ثم هذه الأسانيدُ: قولُه: حَدَّثَنا مُؤَمَّلٌ، حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. يَظهرُ أنَّ هذه أسانيدُ عبدِ الرزاقِ، أو أسانيدُ الإمامِ أحمدَ؛ وذلك لأنها عاليةٌ، وسفيانُ هنا هو الثوريُّ، والإمامُ أحمدُ لَقِيَ سفيانَ بنَ عُيينةَ ولم يَلْقَ الثوريَّ، فإذا حَدَّثَ عنه بواسطةٍ عن سفيانَ فإنه الثوريُّ، فهذا الحديثُ عن ابنِ عبَّاسٍ، قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْر عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )، وعيدٌ شديدٌ، يعني: إذا قالَ بغيرِ عِلْمٍ، تَخَبَّطَ في القرآنِ، وفَسَّرَه بما يَهْوَاهُ أو تَميلُ إليه نفْسُه؛ فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النارِ. هذا الإسنادُ صحيحٌ.
كذلك الإسنادُ الثاني، وهو عينُ الإسنادِ الأَوَّلِ، إلا أنَّ شيخَ الإمامِ أحمدَ اخْتَلَفَ، الأوَّلُ قالَ: حدثنا مُؤَمَّلٌ، والثاني قالَ: حَدَّثَنا وكيعٌ، كِلاهما عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى الثعلبيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ). نفْسُ الحديثِ.
كذلك رُوِيَ عن التِّرمذيِّ قالَ: حدثنا عبدُ بنُ حميدٍ، حدثني حسانُ بنُ هلالٍ، حدثنا سهيلٌ أخو حَزْمٍ القَطعيِّ، حدثنا أبو عِمرانَ الجونيُّ، عن جُندُبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ ) )، وهذا أيضًا إسنادٌ لا بَأْسَ به، إلا أنَّ سُهَيْلًا فيه كلامٌ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ. وقد تَكَلَّمَ بعضُ أهلِ العلْمِ في سهيلِ بنِ أبي حزمٍ، وهو أخو حزمٍ القطعيِّ، لكن يَشْهَدُ له الحديثُ الذي قَبْلَه: (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) )، هنا: (( قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ ) )، هنا قالَ: (( فَأصابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ ) )، لماذا أَخْطَأَ؟ أَخْطَأَ لأنه تَدَخَّلَ في القرآنِ وهو لا يَعْلَمُ.