الصفحة 78 من 89

وبالأخَصِّ لأَنَسٍ، وبه إلى الترمذيِّ أيضًا قالَ: حدثنا ابنُ أبي عمرَ، حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن الأعمشِ قالَ: قالَ مجاهِدٌ: لو كنتُ قرأتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ لم أَحْتَجْ أن أسألَ ابنَ عباسٍ عن كثيرٍ مِن القرآنِ مما سَأَلْتُ، كأنَّ مجاهدًا كان صغيرًا في عهدِ ابنِ مسعودٍ، فلم يَتَتَلْمَذْ عليه، فقد تَقَدَّمَ أنَّ ابنَ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه يقولُ: ما في القرآنِ آيةٌ إلا وأنا أَعْلَمُ فيمَن نَزَلَتْ وأين نَزلتْ، ولو أَعْلَمُ أحدًا أَعْلَمَ بالقرآنِ مني تَبْلُغُه ـ أو تَنالُه ـ الإبلُ ـ أو المطايا ـ لأَتَيْتُهُ. فدَلَّ على أنَّ ابنَ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أيضًا مِن العلماءِ بالقرآنِ، وهكذا أيضًا تلامذتُه الذين أَخَذُوا عنه.

فمجاهِدٌ ما أَدْرَكَه، يقولُ: لو كنتُ قرأتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ - يعني: قرأتُ عليه - لتَعَلَّمْتُ منه، ولم أَحْتَجْ أن أسألَ ابنَ عباسٍ وأَتَعَلَّمَ منه، ولا شَكَّ أنَّ ابنَ عباسٍ أَصغَرُ مِن ابنِ مسعودٍ، وأنَّ علومَه التي تَعَلَّمَها أكثرُها عن الصحابةِ، وأما ابنُ مسعودٍ فإنه تَلَقَّاهُ مُشافهةً عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.

يقولُ: قالَ ابنُ جريرٍ: حَدَّثَنا أبو كُريبٍ، حَدَّثنا الطَّلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن عثمانَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، وهذا إسنادٌ يَتكرَّرُ في ابنِ جريرٍ، وهو إسنادٌ صحيحٌ، يقولُ: رأيتُ مجاهدًا سألَ ابنَ عباسٍ عن تفسيرِ القرآنِ، ومعَه ألواحُه - يعني: أوراقٌ له يَكتبُ فيها - فيقولُ له ابنُ عباسٍ: اكْتُبْ، حتى سألَه عن التفسيرِ كلِّه. يَدُلُّ على أنَّ مجاهدًا أيضًا لم يَعتمِدْ أوَّلًا على الحفْظِ، بل أَثْبَتَ ما سَمِعَه وقَيَّدَه وكَتَبَه في ألواحٍ، وهذا دليلٌ على أنَّ التابعينَ كانوا يَكتبونَ، لا يَقتصرونَ على الْحِفْظِ، فإن الحفْظَ قد يَخونُ كثيرًا منهم، وقد يُنْسَى أو يُغَيَّرُ أو يُبَدَّلُ فكانوا يَكتبونَ ما يَستفيدونَه، يقول بعضُ العلماءِ: إن ما كُتِبَ قَرَّ وما حُفِظَ فَرَّ، ويقولُ بعضُهم:

العلْمُ صَيْدٌ والكتابةُ قَيْدُهُ قَيِّدْ صُيودَكَ بالحبالِ الواثقهْ

فمِن الحماقةِ أن تَصيدَ غَزَالَةً وتَتركَها بينَ الأقوامِ طالقَهْ.

فهكذا كان معه ألواحُهُ، يَأمرُه فيقولُ: اكْتُبْ، حتى سألَه عن التفسيرِ كُلِّه، ولهذا قالَ سفيانُ الثوريُّ رَحِمَه اللهُ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عن مُجاهِدٍ فحَسْبُكَ به. وكان الشافعيُّ رَحِمَه اللهُ يَعتمِدُ على تفسيرِ مجاهِدٍ ويقولُ به، سواءٌ في الأحكامِ، أو في الآدابِ والأخلاقِ، أو في القَصَصِ والأمثالِ، أو غيرِ ذلك.

ومِن التابعينَ الذين اشْتَغَلوا أيضًا بالتفسيرِ: سعيدُ بنُ جُبيرٍ، وهو مِن خواصِّ تلامذةِ ابنِ عبَّاسٍ، وعِكرمةُ مَوْلًى لابنِ عباسٍ مُخْتَصٌّ به، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، والحسنُ البصريُّ، ومسروقُ بنُ الأجدعِ، كلُّ هؤلاءِ مِن الموالي، مَنَّ اللهُ تعالى عليهم، ورَفَعَهم بالعلْمِ، مع أنهم كانوا مَوَالِيَ، ليسوا مِن صميمِ العرَبِ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وهو مِن أشرافِ قُريشٍ، وأبو العاليةِ، ويُسَمَّى رفيعًا الرياحيَّ، والربيعُ بنُ أَنَسٍ، وهو شيخٌ أيضًا لأبي العاليةِ وتلميذٌ لأنَسٍ، وقتادةُ ذَكَرْنا قولَه فيما سَبَقَ: ما في القرآنِ آيةٌ إلا وقد سَمِعْتُ فيها شيئًا. والضحَّاكُ بنُ مُزاحمٍ، وكان أيضًا مِن الموالي، مِن التابعينَ المشهورينَ، وغيرُهم كثيرٌ مِن التابعينَ وتابعِيهم، ومَن بعدَهم، الذينَ اشْتَغَلوا بالقرآنِ. فيَذْكُرُ ابنُ أبي حاتمٍ دائمًا أسماءَهم، إذا رَوَىَ أَثَرًا عن مُجاهِدٍ - مَثَلًا - يقولُ: ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، وقتادةَ، وأبي العاليةِ، والربيعِ بنِ أَنَسٍ, ونَفَرٍ غيرِهم، نحوُ ذلك، ويَذْكُرُ منهم: مقاتلَ بنَ حَيَّانَ، وإذا ذَكروهُ نَسَبُوه، ولا يقولون: مقاتلٌ، للفَرْقِ بينَه وبينَ مقاتلِ بنِ سليمانَ؛ فإنه رُمِيَ بالتشبيهِ، مقاتلُ بنُ سليمانَ كان فيه بِدْعَةٌ، بخِلافِ مقاتِلِ بنِ حَيَّانَ؛ فإنه مِن علماءِ السلَفِ رَحِمَهم اللهُ, فتَذَكَّرْ أقوالَهم في الآيةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت