الصفحة 23 من 89

خِلافَكَ. فنَزلتِ الآيَةُ: {لاَ تُقَدِّمُوا} ؛ أيْ: لا تَتكلَّمُوا بشيءٍ بينَ يَدَي الرسولِ وهوَ أَعْلَمُ؛ لأنَّهُ هوَ الذي يُنَزَّلُ عليهِ الوحيُ، فمَعرفةُ هذا السببِ تُبَيِّنُ معنى الآيَةِ.

كذلكَ أيضًا قولُهُ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} ، إذا لمْ تَعْرِفْ سببَ نزولِها فإِنَّكَ تَتَحَيَّرُ، ما مثالُ الفاسقِ، وما مثالُ النَّبَأِ، فإذا نَظَرْتَ إلى أنَّها نَزلتْ في الوليدِ بنِ عُقبةَ الذي أَرسلَهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ ليَطلُبَ زكاةَ بني الْمُصْطَلِقِ، فكَذَبَ عليهم وقالَ: إنَّهُم مَنَعُوا الزكاةَ. فهذا يُعْرَفُ بهِ أوْ تُفْهَمُ بهِ معنى الآيَةِ، العلْمُ بالسبَبِ يُورِثُ العلْمَ بالمسَبَّبِ.

ولهذا كانَ أَصَحَّ قَوْلَي الفُقهاءِ: أنَّهُ إذا لمْ يُعْرَفْ ما نَوَاهُ الحالِفُ رُجِعَ إلى سببِ يَمينِهِ وما هَيَّجَهَا وأثارَها، ذَكَرُوا ذلكَ في كُتُبِ الفِقهِ في كتابِ الأيمانِ, قالُوا: إذا لم يُعْرَفْ ما نَوَاهُ نِيَّةً رُجِعَ إلى سببِ اليمينِ وما هَيَّجَها، فضَرَبُوا مَثَلًا: لوْ أنَّ إنسانًا طالَبَ إنسانًا بِحَقِّهِ بِدَيْنِهِ فقالَ: واللَّهُ لأُعْطِيَنَّكَهُ بعدَ خمسةِ أيَّامٍ، ثمَّ أَعطاهُ بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ فهلْ يَحْنَثُ؟ لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ سببَ اليمينِ الْمُطَالَبَةُ كأنَّهُ طَالَبَهُ بدَيْنِهِ فحَلَفَ أن يُعْطِيَهُ، فالمرادُ الإسراعُ، سببُ اليمينِ أنَّهُ يُسْرِعُ بوَفائِهِ. كذلكَ لوْ قالَ مَثلًا: لوْ أنَّ إنسانًا أَخَذَ يَمُنُّ عليكَ فيقولُ: إنَّي أنا الذي شَفَعْتُ لكَ، وأنا الذي نَفعتُكَ، وأنا الذي أَعطيتُكَ، وأنا، فحَلَفْتَ وقلْتَ: واللَّهِ لا أَقْبَلُ منكَ شَرْبَةَ ماءٍ، فإذا قَبِلْتَ منهُ أَكلةً فهلْ تكونُ حانِثًا؟ أنتَ ما حَلَفْتَ إلاَّ على شَربةِ ماءٍ، ولكنَّ سببَ اليمينِ قَطْعُ الْمِنَّةِ، كأنَّكَ تقولُ: اقْطَعْ مِنَّتَكَ ولا أُريدُ لكَ مِنَّةً ولوْ بشَربةِ ماءٍ، فمعلومٌ أنَّكَ إذا أَكلْتَ عندَهُ طعامًا فإنَّ المِنَّةَ أكبرُ مِنْ شَربةِ الماءِ، وكذلكَ إذا قَبِلْتَ منهُ كِسوةً فمِنَّتُهُ تكونُ أَعظمَ مِنْ شَربةِ الماءِ، وأمثالُ ذلكَ يَرجعُ إلى سببِ اليمينِ وما هَيَّجَها وأَثَارَهَا.

وقولُهم: نَزلتْ هذهِ الآيَةُ في كذا، يُرادُ بهِ تارةً أنَّهُ سَببُ النزولِ، قولُهُ تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} قيلَ: إنَّها نَزلتْ في عُمَرَ، لَمَّا أنَّهُ تَضَرَّرَ بأنَّهُ وَطِئَ امرأتَهُ في الليلِ بعدَما نامَ، قيلَ: نَزلتْ فيهِ، وقيلَ: إنَّها نَزلتْ في الرُّخصةِ في غَشَيَانِ النساءِ ليلًا، المرادُ بذلكَ أنَّها نَزلتْ في الرُّخصةِ في ذلكَ، سواءٌ كانَ سببُ النزولِ فُلانًا أوْ غيرَهُ، وكذلكَ قولُ اللَّهِ تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، قيلَ: إنَّها نَزلتْ في الرُّخْصَةِ في إتيانِ الزوجةِ، في قُبُلِهَا مِن الْخَلْفِ، لَمَّا كانَ الأنصارُ يَمتنعونَ مِنْ ذلكَ ويَأخذونَ ذلكَ عن اليهودِ، فرَخَّصَ اللَّهُ في قولِهِ: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} يعني: الْحَرْثَ، هوَ مَحَلُّ البَذْرِ وهوَ الفَرْجُ، {أَنَّى شِئْتُمْ} يعني: كيفَ شِئْتُمْ.

فيُرادُ بهذا أنَّ هذا مِنْ جُملةِ ما نَزلتْ فيهِ الآيَةُ، لا أنَّها خاصَّةٌ بهِ، ويُرادُ بهِ تارةً أنَّ ذلكَ داخلٌ في الآيَةِ، وإنْ لمْ يكُنْ هوَ السببَ، كما تقولُ: عُنِيَ بهذهِ الآيَةِ كذا وكذا، إذا قيلَ مَثلًا: عنْ قولِ اللَّهِ تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} ، نَزَلَتْ في الرُّخْصَةِ في الصدَقَةِ بَدَلَ الصيامِ، أنَّ هذا داخلٌ في الآيَةِ، وقِيلَ: نَزلتْ في الشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، الذي يَشُقُّ عليهم الصِّيَامُ، أنَّ لهم الفِدْيَةَ، فيقالُ: هذا أيضًا داخلٌ في الآيَةِ.

يقولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَنَازَعَ العلماءُ في قولِ الصحابيِّ، نَزلتْ هذهِ الآيَةُ في كذا، هلْ يَجرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ، يعني: مرفوعٌ كما يُذْكَرُ السببُ الذي أُنْزِلَتْ لأَجْلِهِ، يعني: هلْ يكونُ مَرفوعًا أوْ يكونُ تَفسيرًا مِن الصحابةِ، ليسَ بحديثٍ مُسْنَدٍ مرفوعٍ، يعني: مَجْرَى التفسيرِ الذي ليسَ بِمُسْنَدٍ، البخاريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَكْثَرَ في كتابِ التفسيرِ مِنْ صحيحِهِ مِنْ هذهِ الأسبابِ واعْتَبَرَهَا مرفوعةً، معَ أنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ يَهْتَمُّ بالأحاديثِ المرفوعةِ، إنَّما وَضَعَ كتابَهُ للمرفوعاتِ التي يَرْوِيهَا بأسانيدِهِ، فرأى أنَّ أسبابَ النزولِ وإنْ لمْ يُذْكَرْ أنَّها في زمانِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ أنَّها مرفوعةٌ، يُدْخِلُها في الْمُسْنَدِ، وآخَرونَ لا يُدْخِلُونَها في المسنَدِ كمُسْلِمٍ، ولهذا ما رَوَى في صحيحِهِ إلاَّ قليلًا مِنْ هذا الْجِنْسِ.

يقولُ: أَكثرُ الأسانيدِ على هذا الاصطلاحِ. يَعني أنَّهُم يَجْعَلُونَها موقوفةً، كمُسْنَدِ أحمدَ وغيرِهِ، أمَّا إذا ذَكَرَ سببًا نَزلت الآيَةُ عَقِبَهُ فإنَّهُم كلَّهم يُدْخِلُونَهُ في المسنَدِ. مِثالُهُ سؤالُ عُوَيْمِرٍ العجلانيِّ عن اللِّعانِ؛ فإنَّ هذا يُعْتَبَرُ مُسْنَدًا، وكذلكَ قِصَّةُ عمرَ لَمَّا أنَّهُ تَضَرَّرَ بتَرْكِ الوَطْءِ في ليالي الصيامِ وغيرِهِ، يُعْتَبَرُ هذا أيضًا مُسْنَدًا؛ لأنَّهُم اشْتَكَوْا إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فنَزلت الآيَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت