الصفحة 16 من 89

ثمَّ إنَّ كُلاًّ منهم يَذْكُرُ هذا في نوعٍ مِنْ أنواعِ الطاعاتِ، كقولِ القائلِ: السابقُ الذي يُصَلِّي في أوَّلِ الوقتِ، والمقتصِدُ الذي يُصَلِّي في أثنائِهِ، والظالمُ لنفسِهِ الذي يُؤَخِّرُ العصرَ إلى الاصفرارِ، أوْ يقولُ: السابقُ والمقتصِدُ والظالِمُ قدْ ذَكَرَهم في آخِرِ سورةِ البقرةِ؛ فإنَّهُ ذَكَرَ الْمُحْسِنَ بالصدَقَةِ، والظالِمَ بأَكْلِ الرِّبَا، والعادلَ بالبيعِ.

والناسُ في الأموالِ إمَّا مُحْسِنٌ وإمَّا عادلٌ وإمَّا ظالمٌ، فالسابِقُ المحسِنُ بأداءِ المُسْتَحَبَّاتِ معَ الواجباتِ، والظالمُ آكِلُ الربا أوْ مانعُ الزكاةِ، والمقتصِدُ الذي يُؤَدِّي الزكاةَ المفروضةَ ولا يَأكلُ الربا، وأمثالُ هذهِ الأقاويلِ.

فكلُّ قولٍ فيهِ ذِكْرُ نوعٍ داخلٌ في الآيَةِ، وإنَّما ذُكِرَ لتعريفِ المستَمِعِ بتناوُلِ الآيَةِ لهُ، وتنبيهٌ بهِ على نظيرِهِ؛ فإنَّ التعريفَ بالمثالِ قدْ يَسْهُلُ أكثرَ مِن التعريفِ بالحَدِّ المطابِقِ، والعقلُ السليمُ يَتفطَّنُ للنوعِ كما يَتفطَّنُ إذا أُشيرَ لهُ إلى رغيفٍ، فقيلَ لهُ: هذا هوَ الْخُبْزُ، وقدْ يَجيءُ كثيرًا مِنْ هذا البابِ قَوْلُهم: هذهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في كذا، لا سيَّما إنْ كانَ المذكورُ شَخْصًا كأسبابِ النزولِ المذكورةِ في التفسيرِ لقولِهم: إنَّ آيَةَ الظِّهارِ نَزَلَتْ في امرأةِ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وإنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزلتْ في عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ، أوْ هلالِ بنِ أُمَيَّةَ، أوْ إنَّ آيَةَ الكَلالَةِ نَزَلَتْ في جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وإنَّ قولَهُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} نَزَلَتْ في بني قُريظةَ والنَّضيرِ، وإنَّ قولَهُ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآيَةَ، نَزلتْ في بَدْرٍ، وإنَّ قولَهُ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآيَةَ، نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ تَميمٍ الداريِّ وعَدِيِّ بنِ بَدَاءٍ، وقولَ أبي أَيُّوبَ: إنَّ قولَهُ: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} نَزَلَتْ فينا مَعْشَرَ الأنصارِ، الحديثَ.

ونظائرُ هذا كثيرٌ ممَّا يَذْكُرُونَ أنَّهُ نَزَلَ في قومٍ مِن المشركينَ بمَكَّةَ، أوْ في قومٍ مِنْ أهلِ الكتابِ, اليهودِ والنصارى، أوْ في قومٍ مِن المؤمنينَ، فالذينَ قالوا ذلكَ لمْ يَقْصِدُوا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بأولئكَ الأعيانِ دونَ غيرِهم؛ فإنَّ هذا لا يقولُهُ مسلمٌ ولا عاقلٌ على الإطلاقِ، والناسُ وإنْ تَنازَعُوا في اللفظِ العامِّ الواردِ على سببٍ هلْ يَخْتَصُّ بسببِهِ أمْ لا، فلمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنْ عُلماءِ المسلمينَ: إنَّ عُموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ تَخْتَصُّ بالشخْصِ الْمُعَيَّنِ، وإنَّما غايَةُ ما يُقالُ: إنَّها تَخْتَصُّ بنوعِ ذلكَ الشخصِ، فتَعُمُّ ما يُشْبِهُهُ، ولا يكونُ العمومُ فيها بِحَسَبِ اللفظِ، والآيَةُ التي لها سببٌ مُعَيَّنٌ إنْ كانتْ أَمْرًا ونَهْيًا فهيَ مُتناوِلَةٌ لذلكَ الشخصِ ولغيرِهِ ممَّنْ كانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وإنْ كانتْ خَبَرًا بمدْحٍ أوْ ذَمٍّ، فهيَ مُتناوِلَةٌ لذلكَ الشخْصِ ولِمَنْ كانَ بِمَنْزِلَتِهِ.

ومَعرفةُ سببِ النزولِ تُعِينُ على فَهْمِ الآيَةِ؛ فإنَّ العلْمَ بالسببِ يُورِثُ العلْمَ بالمسبَّبِ، ولهذا كانَ أَصَحُّ أقوالِ الفقهاءِ في هذهِ المسألةِ: أنَّهُ إذا لمْ يُعْرَفْ ما نَواهُ الحالِفُ رُجِعَ إلى سببِ يَمِينِهِ وما هَيَّجَها وأثارَها.

وقولُهم: نَزلتْ هذهِ الآيَةُ في كذا، يُرادُ بهِ تارةً أنَّهُ سببُ النزولِ، ويُرادُ بهِ تارةً أنَّ هذا داخلٌ في الآيَةِ، وإنْ لمْ يكُن السببَ، كما تقولُ: عَنَى بهذهِ الآيَةِ كذا. وقدْ تَنَازَعَ العلماءُ في قولِ الصاحبِ: نَزلتْ هذهِ الآيَةُ في كذا، هلْ يَجري مَجْرَى الْمُسْنَدِ، كما لوْ ذَكَرَ السببَ الذي أُنْزِلَتْ لأجلِهِ، أوْ يَجْرِي مَجْرَى التفسيرِ منهُ الذي ليسَ بِمُسْنَدٍ، فالبخاريُّ يُدخِلُهُ في الْمُسْنَدِ، وغيرُهُ لا يُدْخِلُهُ في الْمُسْنَدِ، وأكثرُ المسانيدِ على هذا الاصطلاحِ، كمُسْنَدِ أحمدَ وغيرِهِ، بخِلافِ ما إذا ذَكَرَ سَببًا نَزَلَتْ عَقِبَهُ؛ فإنَّهُم كُلَّهم يُدخِلونَ مِثلَ هذا في الْمُسْنَدِ.

وإذا عُرِفَ هذا فقولُ أحدِهم: نَزلتْ في كذا لا يُنافِي قولَ الآخَرِ: نَزلتْ في كذا إذا كانَ اللفظُ يَتناولُهما، كما ذَكَرْنَاهُ في التفسيرِ بالمثالِ، وإذا ذَكَرَ أحدُهم لها سَبَبًا نَزلتْ لأجلِهِ، وذَكَرَ الآخَرُ سَببًا فقدْ يُمْكِنُ صِدْقُهما بأنْ تكونَ نَزلتْ عَقِبَ تلكَ الأسبابِ، أوْ تكونَ نَزلتْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لهذا السببِ، ومَرَّةً لهذا السببِ.

وهذانِ الصِّنفانِ اللَّذَانِ ذَكرْنَاهُما في تَنَوُّعِ التفسيرِ تارةً لِتَنوُّعِ الأسماءِ والصفاتِ، وتارةً لذِكْرِ بعضِ أنواعِ المسمَّى وأقسامِهِ كالتمثيلاتِ، هما الغالبُ في تفسيرِ سلَفِ الأمَّةِ الذي يُظَنُّ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ، ومِن التنازُعِ الموجودِ عنهم ما يكونُ اللفظُ فيهِ مُحْتَمِلًا للأمرَيْنِ، إمَّا لكونِهِ مُشترَكًا في اللغةِ كلفظِ: قَسْوَرَة، الذي يُرادُ بهِ الرامي، ويُرادُ بهِ الأسدُ. ولفظِ عَسْعَسَ: الذي يُرادُ بهِ إقبالُ الليلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت