أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفردٌ به وهو الإلهية التي لا تنبغي إلا لغير ولا تصلُح لسواي؛ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظّمني حقّ تعظيمي.
وبالجملة: فما قدر الله حقّ قدره من عبد معه من ظن أنه يوصِل إليه قال
ـ تعالى ـ: {يأيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ... } الآية إلى أنْ قال ـ تعالى ـ: {ما قدروا الله حقّ قدره إن الله لقويٌّ عزيز} ، وقال ـ تعالى ـ: {وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويّاتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يُشركون} ؛ فما قدّر القوي العزيز حقّ قدْره من أشرك معه الضعيف الذليل [1] .
(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله ـ (( واعلم أن الخضوع والتألُّه ) )وكذلك التذلُّل؛ لفظة (التذلُّل) تغني عنها الخضوع، الخضوع هو معنى التذلُّل (( الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيحٌ في نفسه ـ كما قرّرناه ـ ) )الكلام واضح.
انتبهوا من هنا (( لا سيّما إذا كان المجعول له ذلك ) )الخضوع والتألُّه إذا كان (( عبْدًا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب ومملوكًا له ) ). أوّلًا كلمة (لا سيّما) المعروف عند أهل اللغة: تستعمل مع (الواو) : (ولا سيّما) ، هذا المعروف. ثم من حيث المعنى هذه العبارة فيها بعضُ الشيء (( لاسيما إذا كان إذا كان المجعول له ذلك ) )ذلك الخضوع وذلك التألُّه، إذَا كان (( عبدًا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب ) )وهل هناك عبدٌ غير هذا؟؛ ولذلك: العبارة قلقة؛ (( واعلم أن الخضوع والتألُّه الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيحٌ في نفسه ـ كما قرّرناه ـ [إذْ] كان المجعول له ذلك عبدًا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب ) )هكذا يستقيم المعنى؛ نُعيد مرّة أخرى: (( واعلم أنّ الخضوع والتألُّه الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيحٌ في نفسه ـ كما قرّرناه ـ ) )لماذا قبيح؟ (( [إذْ] كان المجعول له ) )الخضوع والتألُّه وما بعده (( ذلك عبدًا ) )أي: لأن المجعول له ذلك المعنى عبدٌ (( للملك العظيم الرحيم القريب المجيب ) )؛ هذا وجه القُبح، تعليلٌ للقُبح؛ إنما كان قبيحًا لأن الذي جعلت له التألُّه والتذلُّل عبد للملك العظيم الرحيم القريب المجيب؛ كيف تجعل للعبد ما هو للسيِّد والمالك؛ الآية التي تأتي استشهادًا من المؤلِّف على هذا المعنى تؤكِّد هذا المعنى.
لذلك: ينبغي أن يُكتب في الهامش: (ولعلّ الصواب:(( إذْ كان المجعول ... ) ))، بـ (إذْ) ؛ دون زيادة (لا سيّما) .
(( كما قال ـ تعالى ـ: {ضرب لكم مثلًا مِن أنفسكم هل لكم ممّا ملكتْ أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم} ) )استفهام استنكاري: {هل لكم} هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم فيما رزقناكم {فأنتم فيه سواء} أنتم والمملوكون وعبيدكم في ذلك سواء {فأنتم فيه سواء تخافون كخيفتكم} هل تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟، هل تخافون عبيدكم كما تخافون أنفسكم؟، أي: كما تخافون الأحرار؟، لا، العبيد ليسوا شركاء لكم على حدٍّ سواء فيما رزقناكم، هم أنفسهم أموال، وأنتم لا تخافون منهم كما تخافون أنفسكم ـ أي: كما تخافون الأحرار أمثالكم ـ، بل هؤلاء أذلاّء أموال تبيعون فيهم وتشترون فيهم؛ وهل تحبُّون لو جُعلوا شركاء لكم على حدٍّ سواء فيما رزقناكم؟، بل تأنفون من ذلك، تقولون: كيف يكون عبيدنا وموالينا شركاء لنا في رزقنا على حدٍّ سواء، بل ينبغي أن يكونوا دوننا، لأنهم من أموالنا وموالينا.
هذه عقيدتكم في المملوكين عندكم فكيف ترضون أن تجعلوا للمملوكين وللعبيد ما هو حقٌّ للمالك الرب الرحيم القريب المجيب.
(( أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه ) )رقيقه شريكه (( في رزقه ) )على حدٍّ سواء (( فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء ) )الخلق كلهم عبيده، (( فيما أنا منفردٌ به وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري ) )إذا كنتم تأنفون؛ أنتم في الواقع عبيد لكن عبيدٌ أحسن حالًا من عبيدكم، وتأنفون أن يكون عبيدكم شركاء لكم على حدٍّ سواء فيما رزقناكم، تأنفون أنفة، لكن كيف رضيتم لي أن تجعلوا عبيدي مملوكين شركاء فيما أنفرد به ـ الإلهية ـ؟؛ ما أعظم هذا المعنى وهذا التشبيه.
(( ولا تصلُح لسواي ) )الإلهية لا تصلُح لسواي؛ لأن الله وحده هو الخالق؛ فالعبيد لم يشاركوا الله ـ تعالى ـ في الخلق والإيجاد.
(( فمن زعم ذلك فما قدّرني حق قدري ) )انتقاص؛ من جعل عبيده شركاء له في الإلهية يُعتبر انتقاصًا لجانب الإلهية والربوبية معًا.
(( ولا عظّمني حقّ تعظيمي ) )فتعظيم الله حقّ تعظيمه وتقديره حقّ قدره هو عين التوحيد.
(( وبالجملة: فما قدّر الله حقّ قدره: من عَبد معه من ظنّ أنه يوصِل إليه ) )يكون واسطةً يوصله إلى الله.
(( قال ـ تعالى ـ: {يأيها الناس ضُرب مثل فاستمعوا له} ) )مثلٌ آخر غير الذي تقدم: {إن الذين تدعون من دون الله} كائنًا مَن كان نبيًّا ملَكًا عبدًا صالحًا {لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له} لو اجتمع جميع الملائكة والأنبياء والإنس والجن لن يخلقوا ذبابًا بروحه، أما التصوير والتقدير هذا شيءٌ آخر كما تقدّم، لكن هل يخلقون ذبابًا حيًّا منفوخًا فيه الروح؟، لا، {وإنْ يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعُف الطالب والمطلوب} كما أنّ الذباب ضعيف وهؤلاء العبيد ضعاف، ضعيف يعجز عن ضعيف مثله؛ وكيف ترضون أن تجعلوا هؤلاء العبيد الضعاف شركاء لله ـ تعالى ـ الذي لا يخلقون ذبابًا ولا يستطيعون أن يدافعوا الذباب عن أنفسهم من ذرّة، لو أخذ شيئًا من عطورهم وطيبهم وما في رؤوسهم لا يستطيعون يأخذ فيطير، لا أحد يستطيع أن ينقذه من يده.
مرّة أخرى: {يأيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله}
(الذين) اسمُ موصول من صيغ العموم، يشمل جميع المدعوِّين، جميع المعبودين؛ أسماء الموصول من صيغ العموم، تعم؛ {الذين تدعون من دون الله} تعبدونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين والجن والإنس {لن يخلقوا ذبابًا} (لن) هنا يدلُّ السياق أنها للتأبيد، وإن كانتْ في الأصل هي لنفي المستقبل فقط، ولكن قد تأتي قرينةٌ تدلُّ على أنها للتأبيد، هنا للتأبيد قطعًا؛ {لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له ... } .
(( الآية إلى أنْ قال: {ما قدروا الله حقّ قدره} ) )الذين فعلوا ذلك، الذين يُشركون بالله ـ تعالى ـ عبادة ما قدروا الله حقّ قدره.
{إن الله لقويٌّ عزيز} وحده ... ؛ {إن الله} جملة اسمية تدلُّ على التوكيد، ثم دخلتْ (لام التوكيد) في الخبر تأكيدًا وحصْرًا لهذا المعنى لله ـ تعالى ـ.
{إن الله لقويٌّ عزيز} لا أحد يشارك الله ـ تعالى ـ في هذا المعنى.
(( وقال ـ تعالى ـ: {وما قدروا الله حقّ قدره} ) )والحال: أن الأرض
جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويّات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا
يُشركون.
ثم قال الإمام المقريزي: (( فما قدَر القوي العزيز حقّ قدره من أشرك معه الضعيف الذليل ) ). هذه خلاصة ما تقدّم؛ كلُّ عبد ضعيف وذليل؛ الضعف وصفٌ ذاتيٌّ للعبيد، والذل ـ أيضًا ـ وصفٌ ذاتيٌّ للعبيد، والفقر والعجز هذه كلها صفات ذاتية في العبيد؛ كما أنّ القوّة والغنى وصفٌ ذاتيٌّ للرب ـ سبحانه وتعالى ـ، كما أنّ القدرة وصف ذاتيٌّ والغنى وصفٌ ذاتيٌّ والقوّة وصفٌ ذاتيٌّ.
وكونك تترك القوي العزيز القريب المجيب وتجعل له شريكًا ضعيفًا ذليلًا ـ عبدًا ضعيفًا ذليلًا ـ هذا قبيحٌ عقلًا وفطرةً قبل الشرع.