الصفحة 32 من 44

ومعرفةُ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ ومَا وَافَقَهَا مِنْ أَهَمِّ المَهَمَّاتِ لِيُؤْخَذَ بِهَا؛ لأَنَّها سَفِينَةُ النَّجَاةِ، ومَعْرِفَةُ البِدَعَاتِ مِنْ أَوْكَدِ الأُمُورِ، لِيُحْتَرَزَ عَنْهَا؛ لِأنَّها سببُ الهَلَاكِ، ومَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعْ فيهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ غَافِلُونَ، وَلِلسُّنَنِ السُّنِّيَّةِ تَارِكُونَ، وَلِلْبِدْعَةِ القَبِيحَةِ فَاعِلُونَ. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَعْظَمَ هَذِهِ المُصِيبَةَ في الدينِ.

الحديثُ التاسعُ والعشرونَ

عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قالَ: (( لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ. ثُمَّ تَلَا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ .. } حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} . ثُمَّ قالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ ) )قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللَّهِ. قالَ: (( رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ. ثمَّ قالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ ) )قُلْتُ: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: (( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ) ). قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ ) ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ (1) .

(1) تَرْجَمَةُ الصَّحابيِّ: سَبَقَ ذِكْرُها في الحديثِ الثَّامِنَ عَشَرَ.

الشَّرْحُ:

(عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ) إذَا عَمِلْتُهُ (يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ) أَيْ: يكونُ ذَلِكَ العَمَلُ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ يُدْخِلُنِي اللَّهُ تَعَالَى لِأَجْلِهِ الْجَنَّةَ (وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ) وَمَعْرِفَةُ مِثْلِ هذا مِنْ أَهمِّ الأُمُورِ، (قالَ) : وَاللَّهِ (( لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ ) )أَمْرٍ (( عَظِيمِ ) )الشَّأْنِ وَالْمِقْدَارِ؛ لأَنَّ ما يُوجِبُ الفَوْزَ بالجِنَانِ، والنَّجَاةَ مِنَ النِّيرَانِ، لَشَيْءٌ عَظِيمٌ، أَوْ أَمْرٌ ثَقِيلٌ؛ لأنَّ مُوجِبَ ما تَقَدَّمَ أَمْرٌ صَعْبٌ، أَوْ عَنْ أَمْرٍ صَعْبٍ بَيَانُهُ؛ لأنَّ لِمَا يُوجِبُ الظَّفَرَ بأَجَلِّ النِّعَمِ وَالخَلاصَ مِنَ الجَحِيمِ، لَعُرْضًا عَرِيضًا، وَشَرْحًا طَويلًا، (( وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ ) ): لَسَهْلٌ تَحْصِيلُهُ أَوْ بَيَانُهُ (( عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ) )؛ لأنَّ العَسِرَ بِتَيْسِيرِهِ يَصِيرُ يَسِيرًا سَهْلًا (( تَعْبُدُ اللَّهَ ) )الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، بِإِتْيَانِ مَأْمُورَاتِهِ وَتَرْكِ مَنْهِيَّاتِهِ (( وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) )مِنَ الأَشياءِ، وَأَخْلِصْ لَهُ في العِبادةِ، (( وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت