الصفحة 2 من 44

الحديثُ الأَوَّلُ

عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ , وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) ) (1) . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بهِ، والصلاةُ والسلامُ على حَبِيبِهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، أَمَّا بَعْدُ:

فهذا شرحٌ لطيفٌ على الأربعينَ؛ الأحاديثِ التي جَمَعَهَا الفقيهُ مُحْيِي الدينِ أبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ الشافعيُّ الزاهِدُ الوَرِعُ.

(1) تَرْجَمَةُ الصَّحابيِّ رَاوِي الحَديثِ:

أميرُ المؤمنينَ أَبو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللَّهُ تَعالى عنْهُ، ابنِ نُفَيْلِ بنِ عبْدِ العُزَّى العَدَوِيُّ القُرَشِيُّ، يَجْتَمِعُ معَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كعبِ [بنِ] لُؤَيٍّ، كُنْيَتُهُ أبو حَفْصٍ، وَلَقَبُهُ الفاروقُ لِفُرْقَانِهِ بينَ الحقِّ والباطلِ بإِسْلَامِهِ؛ إِذْ أَمْرُ المسلِمينَ كانَ قبْلَهُ على غايةِ الخَفَاءِ، وبعدَهُ على غايةِ الظُّهُورِ، أَسْلَمَ بعدَ أربعينَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً سَنَةَ ستٍّ منَ النُّبُوَّةِ، وَبُويِعَ لَهُ بالخلَافةِ يومَ موتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يومَ الثُّلَاثَاءِ، لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ ثلاثَ عَشْرَةَ مِنَ الهجرةِ، وَمَاتَ شَهِيدًا في المدينَةِ، يومَ الأربِعاءِ لأربعٍ من ذِي الحِجَّةِ سنَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ منَ الهِجْرَةِ، وهُوَ ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ على الصَّحِيحِ.

الشَّرحُ:

قالَ مُنْفَرِدًا عنْ غَيرِهِ بهذَا الحديثِ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حالَ كَوْنِهِ يَقُولُ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ). أَيْ: لا عِبْرَةَ للأعمالِ التي يُمْكِنُ أَنْ تكونَ مَحَلًّا لِلثَّوَابِ عندَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بالنِّيَّاتِ، فالمطْلُوبَاتُ إنْ عُمِلَتْ لِلَّهِ تَعَالَى قُبِلَتْ، وإنْ عُمِلَتْ لغيرِهِ رُدَّتْ، وَرُبَّمَا اسْتَحَقَّ عامِلُها العِقَابَ، وإِنْ خَلَتْ عَن النِّيَّةِ صَارَتْ عَبَثًا، والمُباحاتُ التي يُمْكِنُ أنْ يُتَوَصَّلَ بِهَا إلى الخَيْراتِ [إنْ] فُعِلَتْ للتَّوصُّلِ إلى الشَّرِّ كانَتْ وَبَالًا على أَرْبَابِهَا، وإنْ خَلَتْ عنِ النِّيِّةِ كانَتْ عَبَثًا، والمَنْهِيَّاتُ إنْ تُرِكَتْ للَّهِ كانتْ حَسَنَاتٍ، وإنْ تُرِكَتْ لِغَيْرِهِ كانتْ مُهْمَلَةً، وإنْ فُعِلَتْ للَّهِ يُخَافُ على فَاعِلِهَا ذَنْبٌ عظيمٌ.

(( وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) ). لا مَا نَوَى غَيْرُهُ؛ لأنَّ عَمَلَ كلِّ عاملٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ لا بِنِيَّةِ غَيْرِهِ.

فمِنْ هُنَا إذا عَرفْتَ ما تَقَدَّمَ، فَاعْلَمْ أنَّ (( مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ ) ): تَرْكُهُ دارَ الكُفرِ والعصْيَانِ، للتَّوَجُّهِ (( إِلَى - مَحَلِّ رِضَا - اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) )لا إلى غَيْرِهَا، وهُو مَمْدُوحٌ على ذلكَ في الأُولَى والعُقْبَى، وَمُثَابٌ عليْهَا جَزَاءً حَسَنًا، (( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا ) )- مِنْ غيرِ تَنْوِينٍ - دُنْيَا (( يُصِيبُهَا ) )أيْ: يَقْصِدُ حُصُولَهَا أَصَابَهَا، أو لمْ يُصِبْهَا، (( أَوْ ) )كانَتْ هِجْرَتُهُ (( لِامْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا ) )يُرِيدُ نِكَاحَهَا أَوْ لَا، وإنَّمَا خَصَّ نِكَاحَ المرأةِ مع أنَّهُ منَ الدُّنيا؛ لأنَّه من أعظمِ أُمورِهَا ومَقَاصِدِهَا، وهذا مِن بابِ التخصيصِ بعدَ التعميمِ.

(( فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) )من الدُّنْيَا والمَرْأَةِ، لا إلى اللَّهِ ورسولِهِ، وهوَ مَلُومٌ عليها غيرُ مُثَابٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت