الصفحة 61 من 811

وحكمُ هذا المنقوصِ أنه يَظْهَرُ فيه النصبُ [1] نحوُ: (رأيتُ القاضِيَ) ، وقالَ اللهُ تعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} ، ويُقَدَّرُ فيه الرفعُ والجرُّ؛ لِثِقَلِهِمَا على الياءِ [2] نحوُ: (جاءَ القاضِي، ومَرَرْتُ بالقاضِي) فعلامةُ الرفعِ ضمَّةٌ مقدَّرَةٌ على الياءِ، وعلامةُ الجرِّ كسرةٌ مقدَّرَةٌ على الياءِ.

وعُلِمَ ممَّا ذُكِرَ أنَّ الاسمَ لا يكونُ في آخِرِه واوٌ قبلَها ضمَّةٌ، نعمْ إنْ كانَ مبنيًّا وُجِدَ ذلك فيه، نحوُ: هو، ولم يُوجَدْ ذلك في المُعرَبِ إلاَّ في الأسماءِ الستَّةِ في حالةِ الرفعِ، نحوُ: (جاءَ أَبُوه) ، وأجازَ ذلك الكُوفِيُّونَ في موضعيْنِ آخريْنِ:

أحدُهما: ما سُمِّيَ به مِن الفعلِ، نحوُ: يَدْعُو ويَغْزُو.

(1) من العربِ مَن يُعامِلُ المنقوصَ في حالةِ النصبِ معاملَتَه إيَّاه في حالتَيِ الرفعِ والجرِّ، فيُقَدِّرُ فيه الفتحةَ على الياءِ أيضًًا؛ إجراءً للنصبِ مُجْرَى الرفعِ والجرِّ، وقد جاءَ مِن ذلكَ قولُ مَجْنُونِ لَيْلَى:

ولوْ أَنَّ وَاشٍ باليَمَامَةِ دَارُهُ ... ودَارِي بأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا

وقولُ بِشْرِ بنِ أبي خَازمٍ، وهو عربيٌّ جاهليٌّ:

كفَى بالنَّأْيِ مِن أسماءَ كَافِي ... وليسَ لِنَأْيِهَا إذْ طَالَ شَافِي

فأنتَ تَرَى المجنونَ قالَ: (أنَّ وَاشٍ) فسَكَّنَ الياءَ ثمَّ حَذَفَها معَ أنه منصوبٌ؛ لكونِه اسمَ أنَّ، وترَى بِشْرًا قالَ: (كَافِي) معَ أنه حالٌ مِن النَّأْيِ أو مفعولٌ مُطْلَقٌ.

وقدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في ذلك؛ فقالَ المُبَرِّدُ: هو ضرورةٌ، ولكنَّها من أحسنِ ضَرُورَاتِ الشعرِ. والأصحُّ جوازُه في سَعَةِ الكلامِ؛ فقد قُرِئَ (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهَالِيكُمْ) بسكونِ الياءِ.

(2) مِن العربِ مَن يُعامِلُ المنقوصَ في حالتَيِ الرفعِ والجرِّ كما يُعامِلُه في حالةِ النصبِ، فيُظْهِرُ الضمَّةَ والكسرةَ على الياءِ كما يُظْهِرُ الفتحةَ عليها، وقد وَرَدَ مِن ذلكَ قَوْلُ جَرِيرِ بنِ عَطِيَّةَ:

فيَوْمًا يُوَافِينَ الهَوَى غَيْرَ ماضِيٍ ... ويومًا تَرَى مِنْهُنَّ غُولًا تَغَوَّلُ

وقولُ الآخَرِ:

لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ جَائِيٌ ... ولكِنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الدَّهْرِ عاجِلُ

وقولُ الشَّمَّاخِ بنِ ضِرَارٍ الغَطَفَانِيِّ:

كأنَّهَا وقدْ بَدَا عوَارِضُ ... وفاضَ مِن أَيْدِيِهِنَّ فَائِضُ

وقولُ جَرِيرٍ أيضًًا:

وعِرْقُ الفَرَزْدَقِ شَرُّ العُرُوقِ ... خَبِيثُ الثَّرَى كَابِيُ الأَزْنُدِ

ولا خِلافَ بينَ أَحَدٍ مِن النُّحَاةِ في أنَّ هذا ضرورةٌ لا تَجُوزُ في حالةِ السَّعَةِ، والفرقُ بينَ هذا والذي قبلَه أنَّ فيما مَضَى حَمْلَ حالةٍ واحدةٍ على حالتيْنِ، ففيه حملُ النصبِ على حالتَيِ الرفعِ والجرِّ، فأَعْطَيْنَا الأقلَّ ـ وهو النصبُ ـ حكمَ الأكثرِ؛ ولهذا جَوَّزَهُ بعضُ العلماءِ في سَعَةِ الكلامِ.

ووَرَدَ في قِرَاءَةِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهَالِيكُمْ) ، أما هذا ففيه حَمْلُ حالتيْنِ ـ وهما حالةُ الرفعِ وحالةُ الجرِّ ـ على حالةٍ واحدةٍ، وهي حالةُ النصبِ، وليسَ مِن شأنِ الأكثرِ أنْ يُحْمَلَ على الأقلِّ؛ ومِن أجلِ هذا اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ النُّحَاةِ على أنه ضرورةٌ يُغْتَفَرُ مِنها ما وقَعَ فِعلًا في الشعرِ، ولا يَنْقَاسُ عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت